|
تقدم الآلة الاعلامية للقوى المؤيدة
لسورية في لبنان وفي اساسها آلة «حزب الله» قراءة خاصة دائمة للاوضاع
الداخلية اللبنانية وتفسيرا جامدا للاغتيالات، فيما تنشغل القوى
المضادة بالرد والتفنيد... وتلتقي القراءتان في ساحات الاتهام
والمحاور.
«حزب الله» وحلفاؤه يرون ان استشهاد الرئيس الحريري تم بأيد اسرائيلية
او اسرائيلية - اميركية وربما اسرائيلية - اميركية - فرنسية -
بريطانية. لماذا؟ لان سورية «دولة الصمود والتصدي والممانعة» استعصت
على التدجين من قبل الغرب في ملفات كثيرة اهمها: لبنان حيث توجد مقاومة
فاعلة قادرة. والعراق حيث فتحت سورية الطرق والقنوات مع نظام صدام حسين
قبل سقوطه ثم دعمت مشروع المقاومة ضد الاميركيين بعد سقوطه. وايران حيث
صارت سورية حلقة الوصل الاساسية والمهمة في الهلال الممتد من طهران الى
غزة و«الحديقة الخلفية» المساندة والمؤيدة للجمهورية الاسلامية وفك
الكماشة الآخر حول العراق. وفلسطين حيث الدعم المستمر لـ «حماس»
و«الجهاد» والانهاك المستمر للسلطة الفلسطينية.
ويتابع هؤلاء ان عشرات اللقاءات المعلنة والسرية بين مسؤولين اميركيين
وسوريين لم تؤد الى نتيجة، بل اعتبر كولن باول وزير الخارجية الاميركي
السابق اكثر من مرة ان نظام الرئيس بشار الاسد لا يلتزم وعوده، لذلك
كان لا بد من «عمل كبير» يفقد سورية ورقة كبيرة اسمها لبنان من جهة
ويضعها في دائرة المواجهة مع العالم بمزيد من الضغط والحصار من جهة
ثانية... هكذا يقرأ الحزب وحلفاؤه اغتيال قامة مثل قامة الرئيس
الحريري، ادى الى انسحاب سورية من لبنان ونشوء محكمة دولية لمحاسبة
المجرمين المفترض انهم معروفون ولهم سوابق في التعامل مع المعارضين
بالاغتيال او السجن.
ولماذا كل هذا السيناريو الاسود؟ يجيب اصحاب هذه القراءة بأن «المخطط»
يهدف اما الى اضعاف سورية فتضطر الى تغيير سلوكها تجاه الملفات
الاقليمية، واما الى تغيير النظام فتنكسر احدى اقوى الحلقات في الهلال
الممتد من طهران الى غزة.
هذه القراءة تواجه غالبا باسئلة واتهامات من الطرف الآخر، بينها ان
فرضية الاسلاميين وابوعدس تسقط امام هذا التبرير، وان فبركة شريط ابو
عدس وكيفية استدراجه وصديقه الى سورية هي «فبركة اسرائيلية - اميركية»
جرى الترويج لها من قبل النظام الامني السابق السوري - اللبناني، وان
التعبئة المستمرة الرابطة بين اغتيال الحريري وهذا «المخطط» الدولي
اغفلت محاولة اغتيال مروان حمادة قبل ذلك ولم تأت بتفسير محدد حول ما
اذا كان هدفها ايضا «اما تغيير النظام السوري واما تغيير سلوكه»، وهذا
الامر ايضا ينسحب على الشهداء الآخرين وما اذا كانت اسرائيل واميركا
وفرنسا هي التي اغتالتهم. بل اكثر من ذلك، يتساءل الذين يردون على منطق
المعارضة ما اذا كان لاميركا واسرائيل ايضا علاقة بتنظيم «فتح الاسلام»
الذي ترعرع في سورية وتخرج زعيمه من سجون دمشق، حيث تورط هذا التنظيم
بتفجير باصين في عين علق يقلان مدنيين... ثم تم اغتيال الضابط في قوى
الامن الداخلي الذي كشف الجهة المتورطة في التفجير.
اسئلة كثيرة واتهامات لـ «حزب الله» بالتغطية على الجرائم عبر شل الوضع
الداخلي ومحاولة تعطيل المحكمة الدولية، يقابلها بالاصرار على قراءته
بان اسرائيل وراء كل ما يحدث تنفيذا للهدف الذي شرحه قادة الحزب دائما
اي تغيير النظام السوري او تغيير نظامه وبالتالي كسر حالة الممانعة
والمقاومة... و«حزب الله» في قلبها.
بعيدا من الرد على منطق «حزب الله» بالقصف السياسي الاتهامي لا بأس من
«قراءة» هادئة لـ «قراءته» حول دور سورية في الصمود والتصدي والممانعة.
اثبتت التطورات، وهنا لا بد ان يتفق «حزب الله» مع ذلك، ان النظام في
سورية اكثر براغماتية من اي نظام آخر في المنطقة في ما يتعلق بالتحديات
والتهديدات سواء تعلق الامر باسرائيل او بتركيا او حتى بالعراق لان
«النسخة الثانية» من قراءة الحزب قدمها الرئيس بشارالاسد شخصيا في حوار
مع احدى الصحف الاميركية حين قال ان بلاده ساعدت اميركا استخباراتيا في
العراق لكن اميركا لا تريد التعاون... فالصد الاميركي في مرحلة ما بعد
الحرب وسقوط النظام والاستياء من عدم تنفيذ التعهدات التي اعطيت لكولن
باول، كلها عوامل دفعت الى تبني سورية بالكامل لاستراتيجية ايران في
العراق ليتكامل مشروعا ادخال الانتحاريين غربا مع دعم الميليشيات شرقا
في انهاك المشروع الاميركي لاحقا. ولو ابدت اميركا انفتاحا اكبر على
سورية لما كان التعاون سيقل في اي حال من الاحوال عن التعاون مع تركيا،
وهو التعاون الذي يدرك «حزب الله» انه شطب قضايا سيادية كثيرة كان
الشعب السوري يؤكد انه يموت ولا يتنازل عنها، اضافة الى التخلي عن
«رموز مقاومة» مثل عبد الله اوجلان. كما ان الايام المقبلة لن تتأخر في
كشف عناصر جديدة في براغماتية النظام السوري، من تسليم بعثيين الى
السلطتين العراقية والاميركية... وصولا الى «استشهاد» الشيخ محمود قول
اغاسي (ابو القعقاع) في حلب المعروف بدوره المحوري في تجنيد وارسال
«المجاهدين» الى العراق.
وبالنسبة الى اسرائيل، صحيح جدا ان سورية دعمت «حزب الله» وسمحت بدخول
الاسلحة والصواريخ اليه من ايران وساعدت في التدريب وحماية المعسكرات
وكذلك الامر مع «حماس»، انما جوهر السياسة السورية تجاه اسرائيل ليس
تصادميا بل هو تصالحي، اي ان كل الدعم المقدم لحركات المقاومة موضوع في
خدمة السلام الذي ترتجيه دمشق.
في هذا الاطار يمكن الاضاءة على اكثر من موقف، اهمها بعد استشهاد
الحريري حين صدرت اشارات قوية من اسرائيل رافضة تطور الضغط على سورية
الى ما هو اكبر. ففي خريف 2005 عقدت ورشة عمل مطولة في واشنطن حضرها
مسؤولون من مختلف الادارات الاسرائيلية والاميركية المعنية بالامن
والسياسة في المنطقة، دافع فيها الاسرائيليون بقوة عن وجهة نظرهم
القائلة بان البديل عن النظام السوري الحالي هو واحد من ثلاثة: الفوضى،
وهي مقبولة في العراق وغير مقبولة على الحدود مع اسرائيل. الاخوان
المسلمون، ومنهم ستتناسل قامات «المجاهدين» والطالبانيين العرب. ضابط
يريد اعادة توحيد السوريين خلف حكم عسكري آخر فيقوم بحرب خاطفة في
الجولان. والخيارات الثلاثة من وجهة نظر اسرائيل لا تقارن بخيار بقاء
النظام الحالي الذي «لم يسمح بمرور بعوضة من مرتفعات الجولان».
تخلى الرئيس السوري عن شرط «وديعة رابين» لاستئناف المفاوضات مع
اسرائيل، وطلب من اولمرت ان «يجربه» في ما يتعلق بالرغبة في الوصول الى
تسوية، وصافح الرئيس الاسرائيلي على هامش جنازة البابا يوحنا بولس
السادس، وارسل عبر وسيط سويسري في اليوم الـ 11 لحرب تموز (يوليو) دعوة
للاسرائيليين للقاء على مستوى نائب وزير الخارجية كاستمرار للمحادثات
غير المباشرة عبر القناة التركية... ثم اتضح للجميع ان الادارة
الاميركية هي التي تعيق اي تقارب سوري - اسرائيلي فيما الطرفان
يستجديان رفع هذه الاعاقة.
لن نتوقف هنا عند كلام وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي ربط بين
من يدعو الى تحريك جبهة الجولان ومن يريد السوء بسورية، ولا بكلام
ايهود باراك عن تقدير اسرائيل لمصلحة سورية واختلافه مع الاميركيين في
هذا التقدير. نريد ان نقرأ بهدوء محاضرة آلون لايل المدير العام السابق
للخارجية الاسرائيلية التي القاها في واشنطن الخميس في 21 فبراير 2008
فالرجل الذي تولى ملف المفاوضات غير الرسمية مع سورية كشف امورا لم
تنفها دمشق ولن تنفيها على الارجح لانه نقل عبرها سلسلة رسائل الى
الادارة الاميركية. قال ان ابراهيم سليمان مفوض من القيادة السورية
واصطحبه السوريون معهم الى كل مفاوضات السلام السابقة، وان الاتفاق تم
على كل شيء من المياه الى السياسة الى السياحة الى الجدول الزمني الى
توطين 400 الف فلسطيني، وان ما يعيق التنفيذ هو رفض اميركا التي يزورها
«صارخا» كي يسمع اعضاء الكونغرس ويقتنعوا بضرورة التوصل الى اتفاق سلام
مع سورية، لان السلام معها «اسهل من السلام مع الاطراف العربية الاخرى».
للقراءة تتمة... فاذا كانت اسرائيل مثلا - وفق تفسير «حزب الله»- هي
وراء اغتيال وليد عيدو وانطوان غانم وسمير قصير وجورج حاوي وجبران
التويني وفرنسوا الحاج ووسام عيد وبيار الجميل، واذا كانت اسرائيل وراء
محاولة اغتيال مروان حمادة والياس المر ومي شدياق بهدف ارباك الوضع
اللبناني وانفلات الغرائز الشعبية والمذهبية وتخصيب الفتنة تمهيدا
لمسرح الحرب، فان المعارضة اللبنانية في موضع تساؤل كبير كونها الطرف
الاكثر تجسيدا لتجليات هذا الخروج على الدولة والسلم الاهلي... وهنا
يجب الانتباه من الاسترسال في هذه القراءة، لانها تعني ان احتلال قلب
بيروت وتعميم اللغة الطائفية في الخطاب والممارسة والتهديد باحتلال مقر
رئيس الحكومة ومؤسسات الدولة والتظاهر العنيف احتجاجا على «القطع
المذهبي للكهرباء» واحراق الدواليب واطلاق النار على الجيش اللبناني،
كلها امور تخدم «العدو» اكثر مما تضر الغالبية.
وللقراءة تتمة اخرى ثانية اسمها المحكمة الدولية، فاذا كانت اسرائيل
وراء كل ما حصل (وهي التي لا يكذب عنها شيء) فليذهب مسؤولوها الى
المحكمة لنيل العقاب. سيقول مسؤولو «حزب الله» ان المؤامرة الدولية
ومخطط النيل من سورية وتدمير لبنان لن يسمحا بادانة اسرائيل في المحكمة
وسيبعدان عنها الاتهامات. سيحاولون، كما فعلوا منذ البداية، معارضتها
وتسخيفها واعتبارها منتجا تحركه اميركا و«ادواتها اللبنانية»، ولكن
ماذا عن الاشادة السورية الدائمة بتقارير المحقق الدولي سيرج براميرتس
واعتبار دمشق انه يقوم بعمل مهني وقضائي غير مسيس؟ وماذا عن استناد
المحكمة الدولية على نتيجة تقارير براميرتس التي اشادت بها سورية
لتكوين صفة الادعاء؟ وهل تشيد سورية بتقرير سيخدم اسرائيل ومخططاتها
لاحقا؟ ما يراه «حزب الله» هل هو غير ما تراه سورية؟ او ان الاشادة
السورية العلنية شكلية فيما اعتراض «حزب الله» هو التعبير الحقيقي؟
كما يجب الانتباه اكثر الى ان وقوف اسرائيل وراء كل اسباب توتير الوضع
الداخلي بهدف وصول اللبنانيين الى حرب، يعني في جملة ما يعنيه ان
اسرائيل تهدف الى اطاحة المحكمة الدولية لان الحرب الاهلية قد تطيح بها
الى جانب الاطاحة بالدولة والمؤسسات. فهل اسرائيل تنفذ اجندة سورية في
الخلاص من هذه المحكمة؟ ولماذا تريد اسرائيل التي لا ترى بديلا افضل من
النظام السوري الحالي والتي «يصرخ» مسؤولوها في واشنطن كي تسمح لها
الادارة الاميركية بالاستجابة لطلب دمشق عقد اتفاق سلام... لماذا تريد
جر النظام السوري الى محكمة دولية فيما حصدت منه احد افضل الصفقات؟
لسنا في وارد تقييم المواقف السورية وتصنيفها، فالنظام هناك ادرى من
الجميع، بمن فيهم ايران و«حزب الله» و«حماس»، بمصلحته ومسيرته وقدرته
على استغلال الاوراق لتحقيق مكسب هنا او مواجهة خطر هناك، فعنوان
القراءة السورية هو «النظام اولا واخيرا»، ولو كان عنوان قراءة
المعارضة اللبنانية «لبنان اولا واخيرا» لاختلف الامر بالتأكيد.
هل هناك قراءات اخرى... ام ان تقدم المسار السوري - الاسرائيلي غير
المعلن وتقدم انشاء المحكمة الدولية اعادا خلط الاوراق والقراءات؟
... رحم الله جميع الشهداء و«القادة» و«الرموز».
|