لم تكن ساعات قد مرّت على كارثة تحطم الطائرة الأثيوبية، التي فجعت لبنان بخسارة 54 من أبنائه المقيمين والمغتربين، ودولا عدة بفقد العشرات من أبنائها أيضا، حتى بدأت بعض المظاهر الشاذة وغير اللائقة تطفو وسط ذهول اللبنانيين وصدمتهم بهذه المصيبة الوطنية.
فمع أن الحزن الوطني العام هو أكثر العوامل التي توحد الناس وتقرب ما بين مشاعرهم وعواطفهم وأحاسيسهم، لم يجد البعض حرجاً في المسارعة الى ابتكار تفسيرات واستنتاجات واجتهادات مستغربة تتجاوز الكارثة وظروفها الغامضة، مستبقة التحقيق، حتى قبل العثور على كل الضحايا وحطام الطائرة، وصندوقها الأسود وما يخبئه من أسرار عن هذه الكارثة الاشد سواداً. راح بعض هذه التفسيرات، مثلا، نحو أمر لا يعقل تصديقه من أن هناك استهدافاً لطائفة كريمة معينة، لمجرد أن عدداً لا يستهان به من الضحايا ينتمون إليها. وبلغ بعضها الأخر حدود الجزم بوجود عمل إرهابي، وبعضها الثالث الى تأكيد حصول خطأ جسيم قاتل وضائع ما بين توجيهات السلطات الملاحية والطيار، موجهاً اللوم الى السلطات من هنا، واللوم الى الطيار من هناك.
وإذا كان احد لا يستطيع لوم العائلات المفجوعة والمحروقة بالمصيبة والمحترقة على نار الانتظار، فلا يمكن التبرير للآخرين ممن تحولوا "خبراء" في علم الكوارث الجوية، وراحوا يطلقون النظريات يمينا ويسارا مستفيدين من الهواء المفتوح للشاشات التلفزيونية والكرم فوق العادي الذي أتاحته لهذا النوع من النظريات والمنظّرين في عز الكارثة.
ثم أن هناك من سارع أيضاً الى تعظيم ما قامت به هذه الوزارة أو تلك، أو هذا الجهاز أو ذاك، وسط زحمة مؤتمرات صحافية متلاحقة احتل فيها الرسميون الشاشات، أكثر مما جرى نقل وقائع الكارثة نفسها وما تركته من مآسٍ. جرى ذلك، ويجري، وكأن الدولة تحتاج الى أوسمة وتفخيم وتقريظ لأنها قامت بواجباتها البديهية الطبيعية حيال كارثة بهذا الحجم!
نقول ذلك لا لنقلل أبدا من أهمية الإجراءات التي قامت بها كل أجهزة الدولة ووزاراتها ورئاساتها ومؤسساتها، فهذا أمر لا بد من الاعتراف بأهميته في بلد يسعى إلى تقوية صورة الدولة فيه ويكون على مستوى ما يواجه شعبه من شتى التحديات. الاستنفار الرسمي أمر مشكور، ولكنه اضعف الإيمان في مواجهة هذه الكارثة.
ونقول ذلك لا لنقلل من حرقة الأصوات الصادقة المنفعلة أمام الكارثة، لكن ذلك لا يبرر للذين "ينظرون" من بعيد على جرح ساخن ويحاولون توظيف مأساة جماعية كهذه في السياسة. هذا أمر مرفوض تماما من كل اللبنانيين ، خصوصا انه خارج عن كل اللياقات وعن كل التعاطف الحقيقي الصادق مع ذوي الضحايا وعائلاتهم، ويسيء في الصميم إلى أرواح الضحايا.
هذه الكارثة اكبر من كل توظيف، ولا يجوز القبول بأي استثمار لها، سلبا أو إيجاباً، تكبيرا لادوار وتصغيرا لأخرى.
فلنكن جميعا، على الأقل، في مستوى الحزن العميق الواسع الذي تسببت به هذه المصيبة على أرواح من ذهبوا وجعلها ترتاح إلى وطن يليق بتضحيتهم المفجعة.