لا شك أن تصريحات الجانب الأمريكي المتواصلة بخصوص الجماعة الحوثية, خاصة التصريح الأخير لمساعد وزيرة الخارجية الأمريكية جفري فيلتمان، خلال قمة الأمن الخليجي التي انعقدت مؤخرًا في العاصمة البحرينية المنامة، قد وضعت الكثير من النقاط على الحروف في موضوع وطبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية، كما أزالت الكثير من الالتباس حول حقيقة وطبيعة الصراع الأمريكي الإيراني من جهة، وموقف هذين الطرفين من كثير من قضايا المنطقة الأكثر تعقيدًا من لبنان فغزة فبغداد فاليمن.
ويمكننا إدراك شفرة هذا الصراع من خلال استقراء حرب التمرد الحوثية، ومن تفاصيل هذه الحرب يمكننا تتبع المواقف الأمريكية مع الحوثيين الذين يرفعون شعارا أكثر كراهية وعداوة لأمريكا وإسرائيل "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل" منذ انطلاق تمردهم عام 2004 وحتى اليوم، وهو الشعار الذي فجر هذه الحرب، بل وتحول عندهم إلى قضية مركزية مقدسة، اشترطوا حقهم في ترديده في معظم جولات التفاوض مع الحكومة اليمنية كـ "حق مقدس لا يمكن التنازل عنه".
ومع هذا العداء "الصارخ" من قبل الحوثيين لأمريكا وإسرائيل، فإن الإدارة الأمريكية طوال سنوات التمرد الست الماضية وحتى اليوم لم تتخذ موقفًا سياسيًا واضحًا ومحددًا من هؤلاء المتمردين، الذين يهددون ليس طرق تدفق النفط الخليجي إلى أمريكا، بل يهددون منابع هذا المخزن الاستراتيجي للنفط مباشرة، أي أن الأمريكان الذين ابتدعوا القوائم الطويلة والعريضة في تصنيف الجماعات والحركات والدول ما بين معتدل ومتطرف ـ بحسب معاييرهم الخاصة ـ لم يستطيعوا حتى اللحظة أن يصنفوا الجماعة الحوثية!!
فدرجة الحميمية الغير معلنة من قبل الأمريكان تجاه الحوثيين، هي لا شك التي ظلت حتى اليوم تحول دون توصيف دقيق، أو موقف أمريكي واضح من حقيقة هذه الجماعة، التي يقول أصحابها أنهم طوال حروبهم الست الماضية لم يكونوا إلا مدافعين عن أنفسهم؛ في الوقت الذي تتمدد رقعة سيطرتهم الجغرافية على الأرض كل يوم حتى أصبح اليوم تحت سيطرتهم من الأرض ما يفوق مساحة لبنان تقريبًا، وهي الجماعة التي كانت محصورة في 2004م في نطاق جغرافي ضيق لا يتعدى عشرة كيلومتر مربع!!
ومع هذا كله يصر الأمريكان على تسمية هذه الجماعة بــ "المتمردين الشيعة"، ليس هذا فسحب بل لا توجد أي أدلة لديهم على التورط الإيراني في دعمهم، مع كل ما قيل ويُقال عن هذا الأمر، وعلى لسان الإيرانيين أنفسهم وتصريحاتهم، وكان أخرها تصريح منو شهر متكي، الذي حذر من التدخل في الشأن الداخلي اليمني، داعيًا الحكومة اليمنية إلى إعادة ترتيب علاقتها مع الطائفة الشيعية، أي المتمردين الحوثيين.
تصريحا المسئولين الأمريكي والإيراني، هما مدار وجوهر لغز العلاقة الإيرانية الأمريكية، تلك العلاقة التي لولاها ـ بحسب رئيس مجلس النواب الإيراني الأسبق على أكبر ناطق نوري ـ لما تمكن الأمريكان من دخول كابول، ولا من دخول بغداد أيضًا، ومن ثم تسليمها لمليشيات الحرس الثوري الإيراني.
لغز العلاقة الأمريكية الإيرانية، أعتقد أنه بات من السهل جدًا تفسيره في ضوء العديد من المتغيرات على خارطة المنطقة من وقت سقوط بغداد في 2003 م وحتى اليوم، بل ومن قبل سقوط بغداد أيضًا من إيران جيت، بل لقد بات اليوم في ضوء الموقف الأمريكي من "الحوثية" أكثر وضوحًا، لكن الإشكالية الكبيرة هي فيمن لا يريد أن يدرك حقيقة هذه المتاهة الأيروأمريكية، التي عجز العرب جميعا من "متطرفيهم إلى معتدليهم" من إدراكها، والعمل على مواجهتها باستراتيجية أكثر ذكاء من الاستراتيجية الإيروأمريكية.
التحركات الأخيرة في المنطقة العربية من القاهرة إلى أبو ظبي إلى الكويت للرئيس المصري بعد لقائه لاريجاني في القاهرة، ربما تكون إدراك متأخر ليس عند مستوى هذه الحقيقة المرة، التي تقول أن إيران أصبحت قوة لا يُستهان بها في المنطقة، وأن أي تسويات في المنطقة لن تكون بمنأى عن الرضى الإيراني بل والموافقة الإيرانية، فالسياسة الإيرانية اليوم هي الأكثر إثارة والأكثر برجماتية وديناميكية.. حقيقة يجب أن يفقهها العرب جيدًا، بعيدًا عن التعويل المتناهي على الحليف الأمريكي، لأن هذه الحليف لا تهمه في الأخير إلى استمرار تدفق شلالات النفط إلى مصانعه ومحركاته؛ بغض النظر عن جنسية البائع إيرانيًا كان أو عربيًا.