لم يعد لبنان مجرد مشروع وطن للمسيحيين كما بدأ يوم ولد الاستقلال وتمّ الاعتراف به في الأربعينات من القرن الماضي . ولا هو لبنان مشروع للحرية المفقودة على امتداد الشرق الأوسط كما حلم به الكثيرون وأرادوه. . في ما بعد.
لبنان اليوم بحكم تداخل الشعارات وانفلاشها وتوظيف الدين والمذهبية في لعبة السياسة أصبح ، بمشروع بقائه ، خط الدفاع الأول عن الخليج ونفطه وأنظمته.. إضافة لما يمثله الدفاع عن واحة حريته الصغيرة في صحراء القمع العربي.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية واستقلال دول المنطقة اعتبر الكثيرون لبنان أرضاً لحماية بقايا المسيحية يواجِه بها العربُ ، بثنائية الهوية والتعايش ، المشروعَ الصهيوني في فلسطين في انغلاقه ورفضه الآخر.
ومع هزيمة مشروع الحرية والديموقراطية في المنطقة ورهانه العربي أصبح لبنان مجرد حلم صغير لمشروع الحرية : حرية المعتقد السياسي والديني معاً في منطقة يحكمها عسكر التحرير دونما تحرير ، أو أنظمة أغلقتها أحلام التاريخ وتحيا داخل أوهامه.
بعد قيام النظام الإيراني وخطيئة احتلال الكويت وما نتج عنها من غياب الدور العراقي وسقوط جداره الواقي وبدء المرحلة الإيرانية ذات الشَّرَه ، أصبح لبنان بؤرة جديدة للتوسع المذهبي أو الضغط على المنطقة . وقد منحها الاحتلال الإسرائيلي شرعيتها تحت عنوانها الإسلامي ، وما زالت لعبة الخطر وتوظيفه تمنح تنظيمها وحلفاءه شرعية بقائه وتمدّده.
ليس الموضوع هنا تقييماً أو موقفاً مع أو ضد . إنه توصيف للواقع بغض النظر عن الموقف السياسي من هذا الواقع.
ننتقل الآن لأبعاد هذا الواقع.
لم تكن القضية الفلسطينية قط في تاريخها قضية شعب فلسطين وحده . كانت عربية بما هي تتوسط الحلم العربي . ثم جاء قيام إسرائيل تحدياً لمرحلة الحرية والاستقلال في المنطقة . وعاجلت الانقلابات العسكرية مشروع الديموقراطية ، فأقامت أنظمة باسم التحرير ومن دونه أو نقيضه . أصبحت القضية الفلسطينية ذات صلة بالمشروع العربي في شقيه : الأمني والاستقلالي - الوحدوي . وبحكم الجغرافيا فقد أصبحت الأرض بجوار فلسطين أرضاً مهدّدة . لم تعد القضية فلسطينية فقط ، أصبحت عربية ، ثم شيئاً فشيئاً دخلت الدعوة الإسلامية على خط المواجهة وغدا العالم الإسلامي معنيّاً بها.
يطول الحديث عن تاريخ القضية وما داخلها من تضحيات ومهازل . غير أن أرض الجوار لفلسطين ظلت مشتعلة مهددة وتدافع عن نفسها وعن المشروع العربي . وعلى الرغم من أن المشروع العربي قد توارى ، موقتاً في ما نرجو ، فقد ظلت القضية وأرض جوارها القريب ، وخصوصاً في لبنان ، خط الدفاع عن العروبة ، وها هي ذي اليوم بما آلت إليه ، تغدو خط الدفاع عن الخليج تحديداً : أنظمته ونفطه . تماماً بقدر ما هي أرض اليمن والعراق خطَّيْ دفاعين آخرين عن الخليج.
يصعب تفسير ما يجري على امتداد المنطقة اليوم بغير ذلك . فالخليج العربي ، لئلا ننسى ، هو الهدف أنظمةً وشعوباً وهويةً وموارد.
في حديث قديم لي مع صديق كان قريباً من مؤسسات القرار في واشنطن قال لي مرة : نحن اليوم في التسعينات . سألت : ماذا تريد أن تقول ..؟ قال : من هنا إلى ربع قرن قادم إن لم يكن أكثر ، فإن كل ما يجري في الشرق الأوسط سيكون نتاجاً لسياسات خطرة تريد أحد أمرين:
استرداد موارد النفط أو تغيير أنظمته وتقسيم جغرافيته . قلت : ومن سيقوم بهذا..؟ . ضحك وقال : الكل . الدول الكبرى ذات المصالح الحيوية ومعها شعوب المنطقة وأنظمتها . أضاف : لأصحاب القرار العرب ومثقفيه أقول : لا تنسوا طهران . إنها الخطر الكبير القادم وستنسون معها خطر إسرائيل . سألتُ : كيف..؟ قال : لأن هدف إسرائيل محدد بفلسطين أما إيران فهدفها الشرق الأوسط العربي كله . إنها تطمح لدور الدولة الإقليمية الكبرى . ولا تنس أنها تملك في الداخل العربي جماعات بشرية تستطيع أن تقودهم من أحلامهم أو مصالحهم . على أي حال ، أضاف : إنكم تنسون ما أدت إليه خطيئة احتلال الكويت وتدمير قوة العراق الإقليمية التي يصعب بناء قوة مماثلة لها في زمن قريب ، ولا أحد بعد مؤهلاً ليأخذ موقع العراق ــ إنتهى هذا الجزء من الحديث ــ.
يكفي أن يلقي العربي نظرة على واقع المنطقة ليكتشف كم كان هذا الكلام بعيد النظرة وصحيح التقدير.
من جديد نقول للعرب : لبنان اليوم هو أرض التجربة والحائط . وعلى الرغم من ضعفه فهو أقوى في المواجهة بحكم ثنائية التعايش التي يتم تدميرها ومعها الشريك المسيحي الذي يحميها.