اثنان لا يلتقيان، خطّان متوازيان، وبينهما ما صنعه سوق الحدادين مجتمعاً، حروبهما شرسة واوقات هدنتهما ضيقة، محازبوهما يختلفون حول وعلى كل شيء، حتى لون السماء يفرّق بينهما.
والاثنان دخلا الى عالم السياسة من ابوابها العسكرية، واحد مقاتل مقاوم وآخر جندي شرعي، وان تقلدهما زمام القيادة كان خالياً من الوراثة، بل على العكس، انتزعا هذه المواقع المتقدمة من الورثة بعرق القتال.
لكن مؤخراً بدأت تظهر عوارض التوريث في قاموسهما حتى يتساويا مع سائر الموروثات.
وكي لا يقع القارئ في اللغط والفهم الخاطئ، فان المقصود هما: ميشال عون وسمير جعجع، بطلا تجدد الصراع التاريخي على الاراضي المارونية، الاول حمل «البندقية الشرعية» فيما الثاني حمل «البندقية المقاومة»، والاثنتان حولتا الصراع النفوذي الى تدمير منهجي، وتهجير مستمر لساكني الاراضي المسيحية.
وحين توقف الصراع العسكري، وتدفقت حروب الالغاء والصمود والمقاومة، حوّلا صراعهما الى حروب من نوع آخر، تنامى من خلالها الحقد الذي تفشى في النفوس وبين العائلات والان ينتقل الى الجامعات، فدخل شبابها وطلابها في نزاعاتهم الحاقدة خصوصاً ان اهداف كل حزب وتيار تقتصر على «احتلال» هذه الجامعة او تلك.
وفي الامس القريب، استفاقت الاحزاب والتيارات المسيحية على ادّعاءات، كل ينادي على انتصاره في الجامعة اليسوعية، وبينما البحث لا يزال جارياً عن الحقيقة في النتائج، وفيما كانت الجنازة حامية..
قامت الدول الاقليمية، على حين غرة، وركّبت حكومة الشراكة، فاتفق القطب السني مع شريكه القطب الشيعي، فيما كان القطب المسيحي معطوباً، يفتش في اروقة القديس يوسف عن انتصار يدّعيه في مواجهة اعصار الهدوء وموجة الانصياعات.
والعجيب ان زعماء المسيحيين، ادعياء ورواد الحرية والسيادة والاستقلال، كانوا في طليعة الراضخين، فالسيادي ميشال عون ابى الا ان يسمع مباشرة، الرغبات والتمنيات، فأرسل وزيره الثابت الدائم، فعاد الى الرابية حيث لا عزاء...
سوى القبول لان لا حول ولا قوة ولا فعالية للرافضين، وعلى طريقة مكره اخاك..
وافق الجنرال وافرج عن التشكيلة الحكومية، حتى انه وافق على ادخال فادي عبود في خرم الحكومة، رغم ان هذا الدخول ترك اوجاعاً وتداعيات لدى الناشطين الرافضين داخل التيار الوطني.
اما الاستقلالي، المسيحي الآخر سمير جعجع، فهو يريد الدولة القادرة والفاعلة بمن حضر، تارة يريدها بالنصف زائداً واحداً، وطوراً يريد من الرئيس سليمان والرئيس الحريري تدبير الاحوال في تأليف الحكومة، لكن فجأة هبطت الرغبات الاقليمية المدعومة من المجتمع الدولي فانتعشت الايجابيات في معراب، وبدأت تقبل باعادة توزير الراسبين، واعتبرت اذا كانت «الاتصالات» مع التيار الوطني، فلماذا لا تبقى هذه الحقيبة من ممتلكات التيار؟ كذلك نظمت القوات اللبنانية كرنفال «روّق» للشيخ بطرس حرب، فضاق صالون الشيخ بالشخصيات من قوى 14 آذار، لان الجميع كانوا على عجلة، يريدون «قوموا تنهني»، فالولادة الحكومية حسب التقويم الاقليمي يجب ان تحصل قبل 13 تشرين الثاني، موعد اللقاء المرتقب بين الرئيسين السوري والفرنسي.
وفيما الجميع تغيّر، واصبح يبتهل للقادر الذي غير الاحوال والمواقف، ويطالب «بالخلقة الكاملة» للشركة الحكومية المتحدة، وقعت الخطيئة الاصلية في حق حزب الكتائب.
لم يتداركها بداية الفريق الاكثري، وكادت ان تطيح بالتفاهمات المفروضة، فسارع اهل الهدوء المحليون يطوقون البيت المركزي بالمحبة والكلام المعسول، وهكذا استعاد الساكنون في الداخل هدوءهم وعادوا الى الطاعة الحكومية رغم ان المغانم والمكاسب لم تكن على قدر الطموح الكتائبي.
ليس المقصود عرض الاوضاع المسيحية، الهزلية، بل المقصود رسم الصورة الحقيقية التي تعتبر تفصيلا بسيطاً في المعاناة الكبرى للطبقة السياسية المسيحية، ففي الدولة القادرة لا مكان لهم سوى باستدرار العطف والمساندة والمقاعد والحقائب، كذلك لا وجود لهم في الدولة المقاومة، بل انصرفوا الى المزايدات في اسواق السياسة الدفاعية او التبرع بالمال لو توفر لشراء السلاح، فيما مكان السلاح واهدافه بعيدة عن متناول القادة المسيحيين، الذين اصبحوا لزوم الزينة والشكل الحسن «للوحدة الوطنية» في هذا الشرق ذي اللون الواحد.
ومهما حاول نائب رئيس مجلس النواب السابق ايلي الفرزلي ان يبشّر بالخصوصية المسيحية ويطالب باحترامها، فان البعض يعتبر ان الوجود المسيحي السياسي، بات جثة هامدة، يحرّك الشركاء في الوطن الجثمان كي لا يتحلل، وتفوح منه الروائح، خوفاً من ان تزكم انوف اهل الغرب...
فيعترضوا ربما.
لكن بشارة الفرزلي حول الخصوصية المسيحية، تجد اذاناً صاغية لدى الشركاء في الوطن لانهم اقوياء، لكنها تصطدم دائما «بالانا» المسيحية، علماً ان النائب وليد جنبلاط استطاع ان يفرض الخصوصية الدرزية على اهل السنة والفريق الشيعي رغم ان جنبلاط فعل «السبعة واخواتها» في مهرجانات ساحة البرج، لكن تضامن القيادات الدرزية حول خصوصيتهم فرض عن الشركاء احترامها.
ويسأل المحبطون في الطائفة المسيحية، سؤالاً افتراضياً عن امكانية ان يعمد الاقطاب السنة والشيعة الى تأليف الحكومة بسرعة مع الموافقة والمباركة الاقليمية، هل يستطيع حينها اي فريق مسيحي تعطيل الرغبة الاقليمية والاتفاق المحلي؟
ويضيف المحبطون الم يخرج العماد عون والتيار الوطني من الحكومة بفعل الحلف الرباعي؟ ويرّحل الى الخارج في العام 1990 بفعل الاتفاق الاقليمي والدولي؟ كذلك ادخل هذا الاتفاق الدكتور جعجع الى السجن؟
وهنا يفرج المحبطون عن هواجسهم، فيعتبرون ان «القتال» المستمر بين الزعيمين المارونيين هو رغبة خارجية والا كيف لا يوحّدهم الخطر الذي بدأ يلامس طائفتهم ويهدد وجودها.
علماً ان حلفاً بين الزعماء يعمل على احترام الخصوصية المسيحية، شأنها سائر الخصوصيات المزدهرة الآن، يضع هؤلاء الزعماء في المقدمة وعلى طاولة القرار في الدولة اللبنانية.
لكن ما العمل؟ طالما ان اثنين لايلتقيان، بينهما ما صنعه سوق الحدادين...
انهما ميشال عون وسمير جعجع، ولهما عندنا يوم آخر ومقال جديد يروي قصة الخطين المتوازيين اللذين لا يلتقيان...