من المفارقات الغريبة العجيبة في هذا البلد الصغير، ثمة واحدة يعيشها اللبنانيون اليوم، وتتمثل في توارد أخبار بعضها صحفي وبعضها شفهي، وبعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه، عن أوضاع اجتماعية تعيشها الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت أفضت الى دعوة “حزب الله“ بعض أجهزة الدولة اللبنانية الى ضاحيته.
فالحزب بحسب هذه الأخبار فقد القدرة على ضبط “مجتمعه“، وأدرك ان الهامش الضيق، لا بل المنعدم لوجود أجهزة الدولة في مربعه هذا، أفضى نتائج كارثية. فوسمت المنطقة بصفتها ملجأ سارقي السيارات الذين يُقال انهم سرقوا سيارة زوجة أحد كبار المسؤولين في الحزب. وأدى تعاظم عدد تجار المخدرات في المنطقة الى تعاظم عدد متعاطيها ومدمنيها. وامتد الأمر ليهدد موقع الحزب في السياسة، اذ قتل مناصر لـ“التيار الوطني الحر“ على يد مجموعة من أبناء “مجتمع الحزب“ بفعل تعاظم ظاهرة الخروج على الدولة والقانون.
إنقسم اللبنانيون مجدداً في تفسير هذه الظواهر، فالبعض اعتبرها واحدة من نتائج قرار الحزب عسكرة الطائفة الشيعية في المحنة التي عاشها اللبنانيون في السنوات الأربع الأخيرة، وآخرون اعتبروها واحدة من أزمات الضواحي التي تعاني منها معظم دول العالم.
أصحاب وجهة النظر الأولى محقون، لولا ان ثمة ما يُضعف وجهة نظرهم، فالأكيد ان “حزب الله“ قام بعسكرة “مجتمعه“ وضرب طوقاً اجتماعياً وسياسياً حوله. لكن الصحيح أيضاً ان ثمة استجابة حصلت لرغبة “حزب الله“. فالشيعة كانوا خارج خطاب “14 آذار“ وخارج طموحاتها، وهم سلموا للحزب بصفته أمهم، ولم تجر أي مقاومة لهذه الحقيقة.
أما أصحاب وجهة النظر الثانية، فهم أيضاً محقون لولا حقيقة ثانية تتمثل في أن ضواحي المدن التي عادة ما تشهد ظواهر مشابهة لما تعيشه الضاحية، هي أشد فقراً من الضاحية، وهي مهملة بفعل ميل الدول الى عزل ضواحيها عن مدنها وعواصمها. أما الضاحية الجنوبية لبيروت فهي ليست مهملة، انما منزوعة عنوة من عناية الدولة، وهذه الأخيرة ربما لا ترغب في العناية بها، لكن، والحق يُقال، أننا لم نختبر ذلك فعلاً حتى نُطلق اتهامنا هذا.
لكن المفارقة التي أشرنا اليها في البداية لا تكمن في هذه الوقائع والافتراضات كلها، بل في ميل لتفسير الأوضاع في الضاحية الجنوبية لا يخلو من رغبة في إدراجها في الانقسام السياسي. فالغمز من قناة مسؤولية “حزب الله“ عن الاوضاع السائدة في الضاحية الجنوبية لا يعفي اللبنانيين من المسؤولية تجاهها. وهنا نتحدث عن النتائج لا عن الأسباب. فظاهرة عنف الشوارع لا يمكن بقاؤها في منطقة واحدة، والمخدرات لا تقف عند حدود منطقة دون غيرها، والاكتفاء بتحميل المسؤولية السياسية عن هذه الأوضاع لـ“حزب الله“ لا يعفينا من المسؤولية الوطنية حيالها.