ما قاله احد صانعي ثورة الارز الكبار وليد جنبلاط عبر شاشة "المنار" جدير بالاهتمام لتشخيص ما انجزته هذه الثورة وما يقترحه للمستقبل. أما اعلانه ان الوظيفة السياسية لقوى 14 آذار قد انتهت فهذا مدعاة للمناقشة ليس في مقابلة تلفزيونية فحسب وفي مكان يستدعي الحرص على توفير اجواء وفاقية، بل داخل أروقة صنّاع هذه الثورة أذا لم نقل الذين صنعتهم الثورة نفسها. فلو لم يكن يوم 14 آذار لكان كل من هؤلاء القادة في موقعه الطبيعي الذي ترسمه المعادلة الطائفية والمذهبية في لبنان. أما في 14 آذار وبعد هذا التاريخ فيمكن الحديث بكل ثقة عن قيادة وطنية بامتياز حددها هذا البحر البشري الهادر الذي محا في فرصة نادرة كل الحدود المذهبية والطائفية والمناطقية واثبت الوجود الحقيقي للوطن.
وفي انتظار مثل هذه المناقشة يمكن الحديث عن استمرار الوظيفة الوطنية لـ14 آذار. اما ما يقترحه جنبلاط فهو حق له بالكامل ليكون برنامج عمل الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يحمل مشعله والذي رفعه القائد الوطني الكبير كمال جنبلاط. وفي السياق نفسه يستطيع "تيار المستقبل" عبر قائده الرئيس سعد الحريري ان يقترح ويميّز تياره بما يقترح وينسجم مع السياق الوطني الذي اسسه القائد الاول لثورة الارز الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وللكتائب بقيادة الرئيس امين الجميل رؤية عميقة تستلهم تاريخ الحزب وحاضره ومستقبله يطرحها ويميّز بها ذاته في ساحة العمل الوطني. ولحزب "القوات اللبنانية" بقيادة الدكتور سمير جعجع ان يبقي شعلة "القوات" مضاءة بالثوابت التي انطلقت منها عام 1976 ودفعت الغالي والرخيص لتبقى مرفوعة في سياق مليء بالتضحيات والاحوال التي خبرها جعجع نفسه. ومثل هؤلاء القادة احزاب الوطنيين الاحرار والكتلة الوطنية وغيرهما وشخصيات وطنية فذة مثل فارس سعيد وسمير فرنجية والياس عطاالله ومنهم "اليسار الديموقراطي" والهيئات النقابية ومنظمات المجتمع المدني، لكل هؤلاء خصوصيته ورؤيته بما يحدد الهوية والشخصية.
ولكن كيف يمكن التوفيق بين هذا التنوع الكبير من دون الغاء خصوصية كل من مكوناته؟
بكل تأكيد هذه هي الوظيفة الوطنية لـ14 آذار. لأنه يوم وطني لكل الايام. كما كان يوم الاستقلال عام 1943 الذي تحل ذكراه بعد ايام. اللبنانيون قبل خمسة اعوام استعادوا انتماءهم الوطني في شكل لم يسبق له مثيل في تاريخهم الحديث. وهنا لا بد من توجيه الشكر الى 8 آذار الذي صنعه "حزب الله" في ذلك العام حيث رفع شعار "شكراً لسوريا". فكان ذلك بمثابة الاختبار لمعرفة كيف يقول اللبنانيون "شكراً للبنان". ففعلوا وتوحدوا وأذهلوا العالم بوقفتهم.
كل شعوب العالم تجعل من ايامها الوطنية فرصة لتجديد العهد بين مواطنيها واوطانهم. ولبنان في حاجة ماسة الى ما يجدد هذا العهد عبر هذا المثال الرائع الذي تجلى في ساحة الحرية في ذلك اليوم المشهود. حتى لو سلمنا جدلاً ان اهداف ثورة الارز قد تحققت بالكامل، وهي واقعاً لم تتحقق بشهادة من البطريرك الوطني مار نصرالله بطرس صفير، فإن الهوية التي صنعها شعب لبنان متجاوزاً انقساماته وفئوياته هي ملك له وللاجيال الآتية. وسيأتي زمن يفخر اللبنانيون باحياء 14 آذار كل سنة وفي ساحة الحرية يملأونها اعلاماً وطنية.
ستتذكر الاجيال المقبلة ان حرية اللبنانيين وهي امر عظيم في حياتهم قد ولدت من جديد في هذا التاريخ. انها هبة شعب لبنان لكل اللبنانيين بمن فيهم من تنحى جانباً او شارك موقتاً او جمد عضويته او انسحب.
اللبنانيون اذا ناداهم مناد ليتجمعوا تحت راية حزب او تنظيم او زعامة مذهبية لن يلبوا النداء كما سيفعلون اذا ناداهم 14 آذار في وقت ما قد يكون قريباً او بعيداً في وطن لا تزال حريته في مرمى الطامعين والحاسدين والكارهين.