خطفت العمليات العسكرية الدائرة على الحدود السعودية - اليمنية بين القوات السعودية وجماعات الحوثيين الاهتمام السعودي بالوضع اللبناني، وملفات المنطقة الاخرى، نظراً لخطورة محاولة الاختراق الحوثي للاراضي السعودية، وابعاد عمليات التسلل والاعتداءات المفاجئة التي اوقعت بعض الاصابات في حرس الحدود السعودي·
ويبدو ان المتمردين الحوثيين الذين حاولوا توسيع نطاق الحرب اليمنية الدائرة في محافظة صعدة منذ اشهر، قد فوجئوا بمستوى وحجم الرد السعودي، الذي اتسم بسرعة غير متوقعة، وبكثير من الحسم، ومما ادى الى ايقاع خسائر فادحة في صفوف المتسللين، واسراعهم في التراجع والانكفاء الى داخل الاراضي اليمنية، تحت ضغط القصف الجوي والبري من جانب القوات السعودية·
ورغم تمكن القوات السعودية من طرد المتسللين الحوثيين الى الجانب اليمني من <جبل دخان>، الا ان القيادة العسكرية السعودية اتخذت من التدابير الاحتياطية ما يكفي لمواجهة احتمال ان يعاود الحوثيون محاولات التسلل مرة اخرى الى الاراضي السعودية، وما يقتضي هذا الاحتمال من جهوزية كاملة من الجيش السعودي للقضاء الفوري على مثل تلك المحاولات في حال تكرارها·
* * *
الإنشغال الرسمي والشعبي بمتابعة تطورات المواجهة العسكرية على الحدود مع اليمن، لم يؤثر علىالحركة اليومية في الرياض، التي بقي كل شيء فيها هادئاً، وحافظت على ديناميكية النشاط الاقتصادي والتجاري في أسواقها المختلفة، حتى الأسواق المالية شهدت إقبالاً متزايداً بلغ أمس الأحد 6.5 مليار ريال، وتم افتتاح أكبر مجمّع في العالم لإنتاج المواد البتروكيميائية بتكلفة إجمالية بلغت أربعين مليار ريال سعودي·
إلا أن احتفاظ الأجواء السعودية بهدوئها المعهود، وبرباطة الجأش المعروفة، لا يعني إغفال الأبعاد الخطيرة لمحاولة الحوثيين، ومن يقف وراءهم، نقل الاضطرابات اليمنية الى الأراضي السعودية، وما يعني ذلك من وجود نوايا خبيثة للنيل من حالة الأمن والاستقرار، عشية بدء موسم الحج، والاستفزازات الإيرانية المتزايدة للعبث بأمن حجاج البيت الحرام، والعودة الى استغلال هذه المناسبة الدينية المقدسة عند المسلمين لأهداف سياسية وفئوية لم تعد خافية على أحد·
ولا نبالغ إذا قلنا بأن التسلل الحوثي الى الأراضي السعودية هو <الترجمة الميدانية> لحملات التحريض والتوتير التي تقودها طهران ضد الرياض منذ فترة، والتي بلغت ذروتها بالاتهامات المزيفة التي وجهها مرشد الثورة الامام خامنئي الى الحكومة السعودية بحجة اساءة معاملتها لمواطنيها الشيعة - كذا -، ثم كلام بعض مسؤولي الحرس الثوري الايراني عن وقوف جهات سعودية وراء تفجير سيرستان الذي اودى بعدد من كبار القادة العسكريين!
* * *
وفيما يتولى الاعلام السعودي عملية الرد على الحملات الايرانية، مفنداً ما تتضمنه من افتراءات هدفها النيل من مواقف المملكة والنيل من المكانة العربية والاسلامية والدولية التي تتمتع بها، تحافظ الاوساط الرسمية في الرياض على صمتها، وترفض الدخول في مهاترات مع رموز النظام الايراني، مؤكدة تمسك المملكة بثوابت السياسة الخارجية التي ارسى مداميكها مؤسس الدولة السعودية الملك عبد العزيز والقائمة اساساً على عدم السماح للآخرين التدخل بشؤون المملكة الداخلية، او النيل من سيادتها والاعتداء على اراضيها، الى جانب الحفاظ على سياسة حسن الجوار والعلاقات الطيبة مع جيران المملكة، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للبلدان المجاورة·
وقد حاول الملك عبد الله بن عبد العزيز جاهداً فتح صفحة من التعاون الحقيقي مع الجارة الايرانية، وتابع شخصياً حركة الموفدين السعوديين والايرانيين بين طهران والرياض والتي فتحت الابواب لزيارة الرئيس الايراني احمدي نجاد الى الرياض، حيث احاطه العاهل السعودي بكثير من الحفاوة والترحاب، واجرى معه محادثات مهمة سعياً لاقامة علاقات سليمة وناجحة تخدم مصالح البلدين·
وخُيِّل لكثيرين يومها ان تحسن العلاقات السعودية - الايرانية والتعاون البناء بين الدولتين الكبيرتين على ضفتي الخليج سيجنب المنطقة الانزلاق الى مغامرات جديدة، ويساعد على ترسيخ اسس الاستقرار الذي يبقى في اساس عمليات التنمية والنهوض الاقتصادي الناشطة في المنطقة·
ولكن لا الحفاوة السعودية، ولا المبادرات الشجاعة التي اتخذها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله خاصة عندما دعا الرئيس الايراني لاداء فريضة الحج ضيفاً شخصياً، ولا حين حرص على الامساك بيده والدخول معاً الى قمة مجلس التعاون الخليجي الذي كان منعقداً في الدوحة سنتذاك، ساهمت في بلورة موقف ايراني واضح وصادق من العلاقات الطيبة مع السعودية·
وفيما كانت القيادة السعودية تؤكد في كل مناسبة، رفضها اللجوء الى القوة لحسم الخلاف الدولي مع طهران حول الملف النووي·
وفيما كانت الرياض تكرر موقفها المعروف بعدم السماح باستخدام اراضيها او مياهها الاقليمية في اية عملية عسكرية ضد ايران·
وفيما بقيت السعودية تدعو لتعاون اقليمي بين دول المنطقة وايران للتأكيد على الاستخدام السلمي للطاقة النووية··
كانت طهران في المقابل، تزداد تصلباً في مواقفها المنفردة، ودون ادنى تنسيق مع دول الجوار حول تطورات ملفها النووي·
·· وكانت دوائر القرار الايراني تمعن في تدخلاتها في ملفات المنطقة الساخنة بدءاً من العراق، مروراً بلبنان وفلسطين، وصولا الى حرب صعدة في اليمن، معتمدة سياسة فرق تسد بين ابناء الوطن الواحد سواء في بلاد الرافدين او بيروت، وعاملة على نسف اتفاق مكة بين فتح وحماس، ومشجعة على انفصال غزة عن السلطة الفلسطينية، ثم تقديمها لقمة سائغة للعدوان الاسرائيلي الوحشي الذي عمل قتلا وتدميرا للبشر والحجر في القطاع المنكوب!
وبقي الهدف الايراني الاستراتيجي يتركز على الامساك بملفات المنطقة الساخنة والتفاوض عليها كأوراق للمساومة على طاولة مفاوضات الملف النووي!!
* * *
هل يدفع الحوثيون من ارواحهم وممتلكاتهم ثمن المغامرة الايرانية الجديدة على الحدود السعودية، كما تكبد اخوان لهم تبعات المغامرات الايرانية في العراق ولبنان وغزة··؟!