كما توقع المتشائمون والشامتون أيضاً، فقد تراجع الرئيس باراك أوباما عن كل ما وعد به، تحت ضغط الكونغرس الأميركي، الذي كالعادة قد خضع لضغط اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وألزم هذه الإدارة الأميركية، التي قوبلت بالآمال العريضة، بتبني موقف بنيامين نتنياهو وموقف حكومته اليمينية المتطرفة.
وهكذا، فإنه لا يمكن أن يوصف هذا التراجع إلَّا بأنه يشكل فشلاً ذريعاً للرئيس أوباما وإدارته، وأنه يثبت وجهة نظر الذين كانوا يطالبون بعدم التعويل على هذه الإدارة وعدم الأخذ بما تعِدُ به، والذين كانوا يقولون ومازالوا يقولون، إن أميركا، هذه الدولة العملاقة، هي مجرد خاتم في "الخنصر" الإسرائيلي مادامت مواقف الكونغرس الأميركي وقراراته هي مواقف وقرارات اللوبي اليهودي، الذي يُثبت مجدداً أنه هو صاحب الحوْل والطوْل في الولايات المتحدة.
إن الرئيس أوباما هو الذي تمسك بوقف الاستيطان بكل أشكاله وألوانه كشرط لاستئناف المفاوضات المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحقيقة أنه هو الذي وضع محمود عباس (أبومازن) فوق هذا الغصن المرتفع في هذه الشجرة العالية، ولقد كان بالإمكان بدل هذا كله التمسك بالمرجعية التفاوضية التي كانت حددتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس وهي: "حدود الرابع من يونيو 1967 بما في ذلك القدس الشرقية ومنطقة الأغوار ومناطق التَّماس الحدودية"، مع التأكيد على ضرورة ألَّا يؤثر الاستيطان السابق واللاحق في الوضع النهائي للعملية السلمية.
والآن، إذْ يتراجع أوباما حتى عن تعهدات ومواقف سلفه جورج بوش (الابن)، وإذْ تنتهي وعوده إلى هذا الفشل الذريع، فإنه يصبح بلا مصداقية ليس في الشرق الأوسط وحده بل في العالم بأسره، وترجمة هذا هو المزيد من تعرض المصالح الأميركية في هذه المنطقة إلى مزيد من الأخطار ومزيد من التردي في العراق وأفغانستان، وبالتالي مزيد من التطرف والإرهاب والتراجع والانكفاء لقوى السلام والاعتدال، على مستوى الدول وعلى مستوى المنظمات والأحزاب خصوصا الفلسطينية والعربية.
لا يمكن بعد هذا الفشل الذريع، أن يجد باراك أوباما من يصدقه، ليس في هذه المنطقة وحسب بل في العالم بأسره، والمؤكد، بعد أن ثبت أن زمجرات الرئيس الأميركي خلال المعـركة الانتخابية وبعدها، ووفقاً لخطابه الشهير في جامعة القاهرة، هي مجرد جعجعة بلا طحين، أن الإيرانيين سيبادرون إلى رفع وتيرة تحديهم له ولإدارته، وهذا سينطبق على حـركة طالبان و"القاعدة"، وحتى على أصغر بؤرة توتر في العالم بأسره.
ستلجأ الإدارة الأميركية بعد أن تبخرت كل وعودها السابقة وانتهت سياساتها الشرق أوسطية إلى هذا الفشل الذريع، إلى صبَّ جام غضبها على الفلسطينيين وتحميلهم مسؤولية تخاذلها الذليل أمام بنيامين نتنياهو وحكومته، وأمام اللوبي اليهودي الذي يُثبت المرة تلو الأخرى أنه هو الذي يحكم أميركا، وأنه هو صاحب قرار
"الكونغرس" الأميركي، وهذا يستدعي وقفة عربية جادة ولو في الحدود الدنيا، ويستدعي عدم ترك محمود عباس (أبومازن) وحده ليقلع شوكه بنفسه، فالقضية الفلسطينية هي قضية العرب كلهم، ثم ان فوز بنيامين نتنياهو بهذه الجولة سيعزز تطلعات إسرائيل إلى أن تكون اللاعب الثالث في هذه المنطقة إلى جانب إيران والولايات المتحدة، وهذا معناه إخراج المجموعة العربية من المعادلة الإقليمية المنشودة بصورة نهائية.