ماذا يجري في لبنان؟ لماذا البلد بلا حكومة على الرغم من وجود أكثرية واضحة على الصعيدين الشعبي والنيابي نتيجة انتخابات السابع من يونيو الماضي. الجواب بكل بساطة أن ما يشهده لبنان في الوقت الراهن يمثل استمراراً للانقلاب الإيراني- السوري الذي يتعرض له الوطن الصغير بهدف الغائه. بدأ الانقلاب عملياً بالتمديد للرئيس السابق اميل لحود في خريف العام 2004 على بالرغم من صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لم يكن القرار 1559 سوى نسخة عن «اتفاق الطائف». كل ما نص في القرار تضمنه «اتفاق الطائف». تكفي مقارنة بين النصين للتأكد من ذلك. لا توجد نقطة ما في القرار 1559 لم ترد في «اتفاق الطائف» الذي صار دستوراً للبنان. لم يكن القرار 1559 سوى تأكيد لرفض المجتمع أي وجود مسلح على الأرض اللبنانية باستثناء قوات الشرعية اللبنانية من جيش قوى آمن.
استهدف الانقلاب تثبيت واقع جديد نشأ في مرحلة ما بعد التوصل إلى «اتفاق الطائف» قبل عشرين عاماً. يقوم هذا الواقع على أن لبنان بلد صغير يدور في الفلك السوري، وأن لدمشق وحدها الحق في تفسير «اتفاق الطائف» وتطبيقه بما يتناسب مع مصالحها الإقليمية واهوائها. كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه التخلص من الرئيس الشهيد رينيه معوض في نوفمبر من العام 1989 على طريق تكريس الواقع الجديد الذي يبدأ باعتراف اللبنانيين أن رئيسهم لا يمكن أن ينتخب إلاّ بعد موافقة دمشق على اسمه، وأن الحكومات اللبنانية تصنع في سورية وليس في لبنان.
كان اغتيال رفيق الحريري بمثابة رسالة موجهة إلى اللبنانيين وإلى المجتمعين العربي والدولي فحواها أن لا مفر من «الطائف» بمفهومه السوري، كغطاء للوصاية السورية على لبنان. أما «الطائف» الآخر الذي يحلم به اللبنانيون، فهو مجرد وهْم. بكلام اوضح، لا وجود لطائف غير «الطائف» السوري. ولذلك كان ذلك الغضب السوري الذي رافق صدور القرار 1559. لم يكن القرار سوى رد فعل من المجتمع الدولي... والعربي إلى حد ما على استخدام «الطائف» في فرض وصاية على لبنان واستخدامه «ساحة»، ليس إلاّ، يشن من خلالها المحور الإيراني- السوري حرباً بالواسطة على إسرائيل وعلى عرب وغير عرب من أجل التوصل في النهاية إلى صفقة معها أو مع الولايات المتحدة على حساب لبنان واللبنانيين.
إلى الآن، لايزال هناك رفض أميركي لصفقة من هذا النوع، خصوصاً أن في واشنطن أشخاصاً يعرفون تماماً ما الذي يريده الـــسوري والإيراني من لبنان - الساحة. ولكن هل يبقى هؤلاء الأشخاص في مواقعهم في الإدارة وهل يبقى لديهم ما يكفي من النفوذ للحؤول دون عقد مثل هذه الصفقة؟ كل ما يمكن قوله في هذا المجال أن هناك وعياً عاماً في واشنطن لخطورة أي صفقة على حساب لبنان، والانعكاسات السلبية لأي صفقة من هذا النوع على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط في المدى البعيد، وعلى النفوذ الأميركـــي في المنطـــــقة عموماً في وقت تعرضت الهيبة الأميركية لضربات مؤلمة، من بينها المواقف المتشنجة لحكومة بنيامين نتانياهو من الاستيطان.
ما لا يدركه اللبنانيون في ضوء منع إيران والنظام السوري اللبنانيين من تشكيل حكومة برئاسة زعيم الأكثرية النيابية يمكن أن يمثل نجاحاً للانقلاب. أنه انقلاب على «الطائف» بمفهوميه العربي والدولي أولاً: هل نجاح الانقلاب من النوع الموقت أم الدائم؟ لعلّ ذلك هو السؤال الكبير.
لم يكن السوري يتوقع أن يؤدي اغتيال رفيق الحريري إلى خروج جيشه من لبنان واضطراره إلى أن يكون تحت رحمة الايراني في الوطن الصغير. استطاع الإيراني، عبر ميليشيا «حزب الله»، التابعة له كلّياً، ملء الفراغ الناجم عن الانسحاب العسكري السوري. هناك الآن، من خلال عرقلة تشكيل الحكومة محاولة سورية لتأكيد أن «الطائف» في لبنان يكون سورياً أو لا يكون. في المقابل، هناك محاولة إيرانية للانطلاق من القدرة على عرقلة تشكيل الحكومة، اعتماداً على سلاح «حزب الله» وعلى اداته المسيحية المعروفة، للانتقال بالانقلاب إلى مرحلة جديدة. تتمثل هذه المرحلة بالبحث عن نظام جديد للبنان يقوم على المثالثة. في النهاية لن يرضى النظام الإيراني بأقل من أن تكون له حصة ثابتة في لبنان وذلك في ضوء استثماراته الضخمة في البلد المستمرة منذ ما يزيد على ربع القرن، والتي مكنته من تحويل الطائفة الشيعية الكريمة إلى مجرد رهينة لديه.
من هذا المنطلق، يبدو المطروح أبعد بكثير من تشكيل حكومة لبنانية برئاسة سعد الدين رفيق الحريري يمكن وصفها بحكومة صنعت في لبنان. المطلوب سورياً العودة إلى «الطائف» السوري، فيما المطلوب إيرانياً تثبيت الثلث المعطل وتثبيت «المقاومة» في البيان الوزاري بهدف تثبيت الوجود الإيراني وتكريسه. نجح «الحرس الثوري» في انقلابه الإيراني، لماذا لا ينجح في انقلابه اللبناني، أليست بيروت مدينة ساقطة عسكرياً في يد «حزب الله؟».
يبقى المطلوب لبنانياً. هذا المطلوب يعكسه السؤال الآتي: هل لايزال اللبنانيون قادرين على الصمود وتأكيد تعلقهم بـ «الطائف» اللبناني الذي يرفض في الوقت ذاته الوصاية السورية والمثالثة الشيعية - السنية - المسيحية التي تسعى إيران إلى فرضها؟ ربما كان ذلك هو التحدي الأكبر أمام اللبنانيين في هذه المرحلة الحرجة. ما قد يساعدهم في صمودهم أن المنطقة كلها تبدو مقبلة على تحولات كبيرة. من كان يصدّق أن اتهامات من العيار الثقيل للنظام السوري ستصدر عن مسؤولين عراقيين بعد تفجيرات التاسع عشر من أغسطس الماضي في بغداد؟ من كان يصدّق أن تركيا تتجه إلى لعب دور القوة الإقليمية في الشرق الأوسط مبتعدة أكثر فأكثر عن إسرائيل، هل البروز التركي يساعد لبنان أم يجعل النظام السوري أكثر شراسة تجاهه؟ في كل الأحوال، لا بديل من الصمود. الأكيد أن الصيغة اللبنانية أقوى بكثير مما يعتقد كثيرون أن في دمشق أو في طهران... وحتى في واشنطن وفي إسرائيل نفسها.