أثناء انعقاد مؤتمر الطائف، والحرب على أشدها في لبنان، دار حديث في وجود صحافيين ونواب عن الأوضاع في لبنان، ورفض الجنرال ميشال عون، الذي كان في ذلك الوقت رئيساً للحكومة العسكرية، وقائداً للجيش، الاستجابة لإنهاء تمرده.
قال لي نائب ارمني كان رئيساً لمستشفى "العصفورية" سابقاً "إن جنون العظمة مرض يجب معالجته حتى لا يستفحل"، ومع عودتنا من الطائف بعد توقيع وثيقة الوفاق الوطني كرر المذكور الكلام عينه قائلاً "أنتم تعتقدون أن الشعور بالعظمة مسألة عادية، ولكن الحقيقة انه داء من الضروري جداً معالجته"!.
.. وهناك واقعة ثانية رواها لي أحدهم اثناء وجود الجنرال ميشال عون في السفارة الفرنسية لاجئاً بعد إنهاء تمرده بالقوة، واضطراره للخروج من قصر بعبدا، فقال إنه "ذهب مرة الى السفارة الفرنسية لمحادثة ميشال عون، وكانت الساعة التاسعة صباحاً، حيث كان الحديث هادئاً، ولكن ما ان اقتربت الساعة الحادية عشرة حتى وجدت الجنرال مختلفاً، وبدأ حديثه متشنجاً وغير مركز على الاطلاق".
.... المسألة هنا تعكس واقع الجنرال ومشكلته الاساسية المتمثلة بالتشنج في خطابه السياسي، والتصرف بعظمة وكبرياء، وهو يتصور نفسه أنه الوحيد القادر على اجتراح المعجزات، وهو الوحيد الذي يستطيع تنفيذ الاصلاحات والقضاء على الفساد.
.. أمس فجر الجنرال عون قنبلته التي بددت التفاؤل بقرب تشكيل الحكومة، ليحل التشاؤم الذي ساد البلاد بعد تصريحه الغاضب، والذي لم يوفر فيه أحداً على الاطلاق، وعادت المشكلة الى نقطة الصفر، وقد قام بحصر الازمة في لبنان بصهره جبران باسيل ووزارة الاتصالات، بل ذهب الى أبعد من ذلك عندما طالب بأن تبقى الوزارات التي يقف على رأسها أنصاره في الحكومة الحالية كما هي، بل زاد عليها حقيبة وزارية اخرى، وقد ذهب الى أكثر من ذلك عندما اعتبر أن وزارة الاتصالات في عهد صهره جبران باسيل قد تم تطويرها وتنظيفها، وتساءل "لماذا لم يتم سابقاً الكشف عن الجرائم المرتكبة من خلال وزارة الاتصالات عندما كانت بيد الاكثرية؟".
لا نريد بالطبع توجيه الاتهامات، ولكن لا نعتقد أن ميشال عون لا يدرك أن مرتكبي الجرائم في تلك المرحلة معروفون للقاصي وللداني، ولا ضرورة للخوض في التفاصيل، حتى لا يتم استباق الامور، والحقيقة ستظهر عاجلاً أم آجلاً في مطلق الاحوال.
.... ربما يعتقد الجنرال عون انه يملك قدرات لإقامة جمهورية افلاطون، وهذا أمر لا ندري فعلاً ما اذا كان هو نفسه مقتنعاً به تماماً، وتبدو المسألة أكثر غرابة عندما يتحدث عن الفساد وإدارته، وفي مطلق الأحوال، فإن جمهورية افلاطون حلم لا يتحقق، لا في بلادنا ولا في غيرها، ولكن في الوقت عينه فإن الفساد لا يتم القضاء عليه بسياسة الاتهام وبتبني نظرية المؤامرة، بل بخطة علمية مدروسة، وهذا ما يأمله كل مواطن في هذا البلد.
... على كل حال، نحن ندرك تماماً أن هناك من لا يريد تشكيل الحكومة في لبنان، والجنرال ميشال عون ربما قد يكون بذلك ينفذ أجندة إقليمية في هذا الإطار، وإذا أخذنا الامور أيضاً في جانب آخر فإنه من المؤسف جداً أن يتصرف الجنرال على أساس الشعور بالعظمة، وصدق من قال "شر البلية ما يضحك".