صدى بيروت

جديد المقالات
جديد الأخبار





المتواجدون الآن


تغذيات RSS


المقالات
مقالات العرب و العالم
ايران .. تتمدد كي تتبدد
ايران .. تتمدد كي تتبدد
28-03-2015 10:51 PM

كتب فيصل القاسم

بينما استخدم السوفييت أسطورة الشيوعية لخلق قوة عالمية، ها هي إيران تستغل الأيديولوجية الدينية المذهبية للتمدد في أكثر من مكان في هذا العالم، فهي لا تكتفي بتطبيق نظرية ولاية الفقيه داخل البلاد والحكم بموجبها، بل تحاول تصدير ثورتها التي لطالما هددت الجيران بها، لكن هذه المرة بطرق جديدة تقوم على دعم المذهب الشيعي هنا وهناك واستخدام الشيعة خارج حدودها في معاركها وحروبها التوسعية، وإذا لزم الأمر لا بأس في تشييع الآخرين، تماماً كما كان يفعل السوفييت الذين جندوا ملايين الأشخاص في العالم تحت راية المطرقة والمنجل.

لو نظرنا إلى الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثلاً لوجدناها تقوم بشكل مفضوح، إما على دعم الشيعة في هذا البلد أو ذاك بهدف إيصالهم إلى سدة الحكم، حتى لو تطلب ذلك الانقلاب على الأنظمة الحاكمة، كما في العراق والبحرين ولبنان واليمن، أو العمل على نشر التشييع حتى لو كان في شمال إفريقيا كالمغرب وتونس ومصر والسودان والجزائر وبلدان أخرى.

لقد شكّل العراق على مدى فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين عقبة كأداء في وجه التمدد الإيراني وتصدير الثورة خارج الحدود، لكن المؤسسة الحاكمة في طهران لم تيأس من الاستيلاء على العراق، فقد تحالفت مع الأمريكيين عندما غزوا العراق بشهادة نائب الرئيس الإيراني علي أبطحي الذي قال حرفياً: «لولا إيران لما استطاعت أمريكا غزو العراق وأفغانستان». وبعد خروج الأمريكيين من العراق وقعت بلاد الرافدين كالثمرة الناضجة في الحضن الإيراني، كما كان يطمح ويخطط الإيرانيون منذ عقود. وبذلك أزاحوا كل ما يمت بصلة للنظام السابق، وعينوا مكانه أزلامهم. وقبل استيلاء الإيرانيين على العراق طبعاً، كانوا قد استولوا على سوريا خلسة من خلال معاهدات استراتيجية، ثم كشّروا عن أنيابهم بشكل صارخ في الآونة الأخيرة بعد أن راحت الميليشيات الإيرانية تقاتل إلى جانب النظام السوري علناً بقيادة قاسم سليماني، ناهيك عن أنهم ثبتوا أقدامهم في لبنان منذ السبعينيات. وقد ظهر نفوذهم في بلاد الأرز بشكل صارخ بعد أن أصبح حزب الله الحاكم الحقيقي للبنان بقوة السلاح.

وبعد أن استحوذوا على العراق وسوريا ولبنان، راح الإيرانيون يعزفون على الوتر القديم في البحرين من خلال مظلومية الشيعة وأحقيتهم في حكم البلاد، وذلك من خلال إثارة القلاقل ودفع أتباعهم للثورة على نظام الحكم. ففي الوقت الذي كانوا يعاونون النظام السوري لإخماد ثورة شعبية حقيقية، راحوا يساعدون شيعة البحرين للانقلاب على الدولة. ولولا الجهود الغربية والعربية لتمكن أتباعهم من الوضع في البحرين، كما تمكنوا في العراق ولبنان.
وكما فعلت في لبنان، ها هي إيران تقتحم اليمن بعد أن وفرت لأزلامها الحوثيين كل وسائل السيطرة على البلاد. وها هم الحوثيون وقد سيطروا مؤقتاً ليكتمل الهلال الشيعي الذي تحدث عنه العاهل الأردني عام 2004.

لكن رغم تشابه التجربتين السوفييتية والإيرانية في التمدد خارج البلاد عبر الأساطير الأيديولوجية والروحية، إلا أن التجربة الإيرانية تعتبر أكثر خطورة، فالانتماء العقائدي السياسي السوفييتي انتهى في كل أنحاء العالم تقريباً بسقوط الاتحاد السوفييتي، بينما الانتماء المذهبي والتشييع الذي تعتمد عليه إيران في المنطقة لتوطيد نفوذها سيكون شرارة قد تشعل حروباً مذهبية لا تبقي ولا تذر. وتتجلى ملامح هذه الحروب في رد الفعل العربي والإسلامي على التورط الإيراني الفاضح في سوريا والعراق ولبنان واليمن. ومن الواضح تماماً أن إيران تلعب لعبة خطيرة للغاية سيذهب جراءها ضحايا كثيرون من السنة والشيعة على حد سواء. فاليمن يشتعل على أساس مذهبي، وكذلك العراق وسوريا ولبنان. وإيران نفسها بدأت تدفع أثماناُ باهظة جداً لحروبها التوسعية، ليس فقط من ثرواتها، بل أيضاً من أشلاء أبنائها، خاصة بعد أن بدأت مئات الجثامين تصل طهران من ساحة الحرب السورية والعراقية واليمنية.

مع ذلك، شاهدنا في الآونة الأخيرة بعض الساسة الإيرانيين يتفاخرون بهيمنة إيران على أربع عواصم عربية، وبأن بغداد أصبحت عاصمة الامبراطورية الفارسية الجديدة. وهذا صحيح من حيث الشكل، لكن العنتريات الإيرانية حول انتصاراتها الخارجية تخفي وراءها خوفاً رهيباً من كوارث الداخل الإيراني. فمن عادة إيران تاريخياً أن تستعين على قضاء حاجاتها بالسر والكتمان والتقية، لكنها هذه المرة تبالغ في تبجحها بانتصاراتها وفتوحاتها الخارجية. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على خوفها من الداخل المتداعي. فهي تحاول أن تزيّن وضعها البائس داخلياً بنشوة النصر خارجياً. لكن الفتوحات الخارجية يقابلها داخل مترد واقتصاد منهار وشعب يتململ ضد السياسات الخارجية التي أفرغت الخزينة الإيرانية على مشاريع عسكرية وتوسع خارجي لم يجلب للإيرانيين سوى المصائب والفقر والجثامين المقتولة في سوريا والعراق واليمن ولبنان.

لقد كان الاتحاد السوفييتي قبل انهياره يمتلك ترسانة نووية قادرة على تدمير العالم ثلاثين مرة، لكنه انهار كبيت العنكبوت، لأنه كان خرباً من الداخل، فلا قيمة للفتوحات الخارجية إذا كان الشعب في الداخل يعاني الأمرّين اقتصادياً واجتماعياً. وهو حال إيران الآن، حيث يعيش أكثر من ستين بالمائة من الإيرانيين تحت خط الفقر، بينما تبذر القيادة أموال الشعب على تدعيم بشار الأسد في سوريا وشراذم الحوثيين في اليمن والميليشيات اللبنانية. ولولا أموال العراق لكن وضع إيران الداخلي أسوأ بكثير.

هل تعلم إيران أن القوى الكبرى سمحت لها أن تتمدد كي تتبدد؟

لماذا لا تتعلم إيران من الاتحاد السوفييتي الذي كان من الخارج رُخاماً، ومن الداخل سُخاماً؟



.

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 4442



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter


التعليقات
#1473 Lebanon [رائد ....]
1.08/5 (8 صوت)

30-03-2015 10:14 AM
في مختلف إطلاعاتنا ، نجد ما يلبي اقتناعاتنا وما تعلق بالراهن من الأحداث ... ليس بجديد على الإعلامي الصارم والموظّف لذكائه تبصّراً رؤيويّاً ، أن يجعل من نقده قراءةً واثقة .
كان ما قرأنا في المقال ، يجيب على سياق تطلعاتنا وتساؤلاتنا ... لكنني أردت إضافة نقطتين أساسيّتين إلى معرض ما لخّصه القاسم ...
أولاً ، بأن تحمل المطالعة إرسالاً حضاريّاً بمفهوم عالمي إلى " شيعة العرب " كي لا يتناسوا ريادتهم التاريخية خلال شراكتهم مع المحيط العربي العام ، ولسنا على شك من إضافاتهم الفكرية القيّمة في إعزاز الحضور العربي الثقافي والوجودي ...
ثانياً ، بأن يضاف للمطالعة خلاصة تبدو منطقية مع معطيات التبدل الدولي وهي : أن القوى العظمى الفاعلة في القرارات الكبرى ، قد تسمح لإيران بمساحة سياسيّة من النفوذ ( الضّاغط ) بمكان ما على العامل الإسلامي السني ، لكن المنطقي أن الأطراف الدولية الكبرى لن تسمح لإيران بمساحة أبعد من ضغوط محدودة على العامل الإسلامي السني العربي ...

مع هذين المعطيين تتبدى حقيقة أساسيّة ، فيما تؤيدها فرضيّة أن العقليّة السياسيّة الإيرانيّة تعمل ( ضمناً ) على فرض التواجد العنصري الفارسي أو مملكة كسرى العظمى ... ولكن الإيرانيّين يدركون أيضاً بأنه لن يكون لهم التقبل لتحالف متين في أوساط شيعة العرب لو أن مظاهرهم السياسيّة تعلن حقيقة ( إمبراطورية إيران ) وليس كما هو الحال ؛ أي إعلان سياسة ( ولاية الفقيه ) للأخذ بعواطف الشيعة العرب إلى تحقيق كيان له وزنه الدولي ... كما يقول فيصل القاسم : عن خارج إيران وداخلها وعليها إدراك الدرس السوفياتي ..
هناك حقيقة أكثر استحقاقاً لا بد من موافاته لسياستهم المغامرة ... من المستحيل أن تتمكن إمبراطوريّة إيرانية محتملة أن تفرض هيمنتها على الشرق الأوسط مع تعداد سكاني داعم لا يتجاوز بعديده 150 مليون ينتشرون في إيران وبعض من شتات دول عربية .. ذلك أنهم في رهن التصاعد السني الأكبر الذي سيلقي بحقيقته من خلال مليار ومائتي مليون سني ، وعلى مساحة هائلة من العالم .. تمتد من شواطيء الأطلسي إلى حدود الصين والهند والمحيط الهندي وجنوب أوروبا ، وبما تمتلك من مؤهلات الإقتصاد الذي يفوق الممتلك الفارسي ..... أتمنى لو يصل الرأي إلى عناية الإعلامي الكبير فيصل القاسم لضرورة الإضاءة على إرساء الخطاب السياسي الموجه لشيعة العرب ... ومع التأكيد بأن ما يمتلك من التوثيق والأرقام لا يحوجه إلى مطالعة آراء عابرة ...


فيصل القاسم
تقييم
1.15/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع صدى بيروت