صدى بيروت

جديد المقالات
جديد الأخبار





المتواجدون الآن


تغذيات RSS


المقالات
اراء و قضايا
بين الزواج المدني و المشروع الأرثوذكسي زواج غير شرعي لإلغاء الآخر
بين الزواج المدني و المشروع الأرثوذكسي زواج غير شرعي لإلغاء الآخر
29-01-2013 07:57 PM

كتب محمود البغدادي

عندما طرح مشروع الزواج المدني في عهد حكومة الرئيس الشهيد رفيق ‏الحريري برئاسة الرئيس الياس الهراوي , قمنا بإصدار كتابنا (مع الزواج المدني بهدوء) ‏عام 1998 م , بيّنا فيه نشأة مفهوم الزواج المدني في فرنسا بداية ,كدولة علمانية لا أثر ‏فيها للتعددية الدينية والثقافية , وإنما علمانية في مواجهة المسيحية الكاثوليكية ؛كما بيّنا فيه ‏كيف أن الكنيسة ـ قبل العلمانية ـ اعتمدت هذا النوع من الإرتباط بين ذكر وأنثى , فقط ‏بالنسبة لمكتومي النسب (أولاد الزنا واللقطاء) , واشترطت لكي تعترف بهذا الزواج أن ‏يتم تسجيله كنسياً ليتخذ الوضع الشرعي في الإنتماء للكنيسة , بعد اتخاذه الوضع القانوني ‏بالنسبة للدولة . ‏
أما في لبنان , فالوضع شديد الإختلاف , إذ يعتبر لبنان دولة طائفية تعددية ‏متنوعة الثقافات والإنتماءات , ومن يحكم في لبنان إنما يحكم باسم هذه الطوائف ولا يحكم ‏باسم العلمانية المواجهة لتلك الطوائف كما كان عليه الحال في فرنسا . صحيح أن ممثلي ‏بعض الطوائف هم من العلمانيين الذين تختارهم وتزكيهم جهات معينة في الدولة وتروج ‏لهم وتمهد لهم الطريق للوصول إلى تمثيل طوائفهم , على قاعدة ثقافاتهم العلمانية الناتجة ‏من خلال دراستهم في الدول الأجنبية , إلا أن هذا التمثيل لا يكون تمثيلاً لطوائفهم حقيقة ‏إلا من خلال مدى الحاجة إلى الإحتفاظ بعدد أصوات الناخبين لهم من طائفتهم , أما خارج ‏هذا الدور فهم "علمانيون" في سلوكهم وحياتهم العامة والخاصة ـ إلا أفراداً منهم ـ وقليلاً ‏ما هم , يشعرون بالإلتزام الديني , بينما الآخرون لا يعرفون شيئاً عن دينهم وانتمائهم إلى ‏‏" أمة ".‏
في المواقف وردود الفعل الصادرة عن بعض الشخصيات المسيحية والمسلمة ‏على الفتوى الصادرة عن محلس الإفتاء في الجمهورية اللبنانية , لفت نظرنا موقفان : ‏أحدهما للوزير فيصل كرامي (الذي نهنئه بالسلامة) , والذي قال فيه " لا أحد يكفرنا , لا ‏هو ولا غيره " ويقصد بذلك مفتي الجمهورية ـ الذي لم يترك له صديقاً مخلصاً مع الأسف ‏ـ الذي أعلن فيه ردّة من يوقع من ممثلي المسلمين في أجهزة الدولة اللبنانية على مشروع ‏الزواج المدني .. والثاني للنائب سامي أمين الجميل الذي صرح به من مجلس النواب ‏اللبناني مفتئتاً على بيان فتوى مجلس الإفتاء في الجمهورية اللبنانية ..
فبالنسبة لتصريح ‏فيصل كرامي ـ مع الإحتفاظ بالألقاب الفارغة ـ فهو وزير باسم المسلمين , وليس باسمه ‏الشخصي . هذا من ناحية التمثيل , أما من ناحية الإنتماء , فهو إذ اختار العلمانية فقد أعلن ‏بنفسه عن خروجه من الإسلام وتشريعه القرأني ,وهذا الخروج هو ردّة عن الدين ـ وكفرُ ‏بما أنزل الله ـ فهو يكفر نفسه بنفسه , ولم يكفره أحد لأن الإسلام يقر بالحرية الشخصية في ‏انتهاج طريق الإيمان أو الكفر ومبدؤه في ذلك شهير وشائع : (لا إكراه في الدين , قد تبيّنَ ‏الرُّشْدُ من الغيّ ...) وقد تنبه عمّه الراحل , الرئيس الشهيد (رشيد كرامي) , ولو متاخراً ‏إلى هذا الأمر من خلال تجاربه الطويلة والعميقة في الساحة العلمانية , فتحول عنها إلى ‏طلب المغفرة من الله , وصار لا يفارق المساجد , وغالباً ما كان يذهب بمفرده إلى مسجد ‏الأوزاعي للصلاة والتعبد دون ان يرافقه أحد من الحراس أو رجال الأمن .. هذا يعني انه ‏لا يحق لفيصل كرامي أن يتطاول على فتوى إسلامية عامة تتعلق بملياري مسلم على وجه ‏الأرض , لكي يقال عنه إنه سجّل موقفاً مناوئاً لمفتي الجمهورية ..هذا سخف وانتهازية ‏وجهل وجهالة .‏

عن موقف النائب المحامي سامي أمين الجميّل نقول : لقد كان موقفه بائساً ‏سواء من حيث النقد الصريح لحقوق ثلثي سكان لبنان من المسلمين من جهة ,ولتطاوله ‏على المرجعية الإسلامية الرسمية التي تفتي لكل الجمهورية اللبنانية مسلمين ومسيحيين ‏وغيرهم, وهذه المرجعية هي الوحيدة التي يضاف إليها صفة (الجمهورية اللبنانية) ‏بعد رئاسة الجمهورية .. هذا من جهة ؛ أما من جهة أخرى , فإن المحامي سامي الجميل ‏يعلم يقيناً ـ وربما أكثر من غيره ـ أن مشروع الزواج المدني إنما هو مشروع إلغائي , ‏يهدف إلى إلغاء الأحوال الشخصية في لبنان التي هي من اختصاص الطوائف , تمهيداً ‏لإلغاء المحاكم الشرعية للطوائف من ناحية , وبالتالي , إنهاء الوجود الديني الإسلامي في ‏لبنان نهائياً, باعتبار أن الأجيال الطالعة تنشأ علمانية , بلا انتماء ديني أو طائفي .
إن هذا ‏الموقف يشكل عدواناً صارخاً لا على الوجود الإسلامي في لبنان فقط , وإنما على حقوق ‏ودين ملياري مسلم في العالم , واستفزاز تحريضي لتخريب مبدأ التعاون والمناصفة في ‏لبنان بين المسلمين والمسيحيين ـ علماً بأن قاعدة هذه المناصفة لا عدل فيها ولا قسط , بل ‏تنازل إسلامي لحماية الوجود المسيحي المعرض للخطر في لبنان .‏
ويدرك المحامي سامي أمين الجميل أنه ـ حتى العلمانيين والملحدين العرب ‏كما يسميهم أحد المواقع الألكترونية ـ إنما معظمهم من المسيحيين وكتاب هذا الموقع ‏بمجملهم من الرهبان والكهنة الذين صبوا كل اهتمامهم على التعرض للإسلام ؛ فالمسيحية ‏والعلمانية لا تفترقان كما رأينا في فرنسا بتشريع الزواج المدني عن طريق تسجيل ‏المكتومين في الكنيسة, بعد تسجيل ارتباطهم لدى الدائرة المدنية . ذلك أن المكتومين غالباً ‏ما يجهلون كل شيء عن الدين , فتتلقفهم الكنيسة في عداد أعضائها سواء التزموا بتعاليم ‏الدين أو رفضوا هذه التعاليم , ما يعني أن هناك اقتراناً بين العلمانية وبين المسيحية التي لا ‏تملك اصلاً في تعاليمها أي نصوص أو أحكام تشريعية , وإنما مجرد تعاليم فكرية لا ‏علاقة لها بالأحوال الشخصية لأنها لا تمثل تاريخاً ولا تراثاً ولا أمة بذاتها (إنتماء عرقي ‏وثقافي) , وإنما هي أممية مطلقة.وذلك بخلاف الإسلام المرتبط منذ إبراهيم ‏سلام الله عليه , مروراً بموسى وعيسى ومن بينهما من الأنبياء والرسل , ثقافة وتاريخ وانتماء ‏‏.. هذا الفرق الذي يجعل من المسلمين عامة ـ لا في لبنان وحده فقط ـ بل في جميع أنحاء ‏العالم الإسلامي , يرفضون الزواج المدني على الرغم من الجهود الإعلامية المكثفة ‏والموال الهائلة المدفوعة للدعاية الذكية المغرضة (...) لإخراج أجيال المسلمين ‏والمسلمات عن دينهم وإبعادهم عن انتمائهم الثقافي والديني والعرقي .

على هذا , فإن المادة 43 من قانون العقوبات التي بحث عنها المحامي سامي امين ‏الجميّل , إنما تطاله هو بالذات بما شكله في مضمون تصريحه من اعتداء صارخ على ‏الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها , ولما يمثله مضمون التصريح من تهديد ‏لأمن لبنان وللمسلمين فيه , وما ينطوي عليه من تخريب لصيغة العيش المشترك التي لا ‏يعود لها أي مبرر في حال الإستمرار بالعمل الخفي والمعلن لإنهاء الإسلام في لبنان .‏


.

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 10966



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter


محمود البغدادي
تقييم
1.01/10 (31 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع صدى بيروت