صدى بيروت

جديد المقالات
جديد الأخبار





المتواجدون الآن


تغذيات RSS


المقالات
اراء و قضايا
الجاهلية الثانية
الجاهلية الثانية
04-08-2012 01:38 AM


كتب علاء مراد


الكلّ يعلم أن المنطقة العربية في قديم الزمان وخصوصاً جزيرة العرب مرّت بمرحلة جهل وتخلّف اتّسمت بالجاهلية فسمّيت هذه الحقبة بالعصر الجاهلي.
هذه الحقبة التي تميزت بعادات سيئة وجهل وتخلف نستعرض منها باختصار الآتي:
- العصبية القبلية وحب السيطرة التي أدت إلى حروب وصراعات بين القبائل بهدف السيطرة والسلب والنهب والمباهاة أيضاً بالرجولة والقوّة.
- ثقافة الأخذ بالثأر.
- القمار والميسر.
- وأد البنات وهو أن يدفن الرجل منهم ابنته بعد ولادتها حيّة خوفاً من العار.
- قتل الأولاد (الذكور والإناث) خشية الفقر والمجاعات.
هذه أهم مساوئ العصر الجاهلي ونعرّج قليلاً على العادات الحسنة التي اشتهرت في ذلك العصر نذكر منها:
الصدق وإكرام الضيف والوفاء بالعهد والصبر والتحمل والشجاعة..
بعد حقبة الجاهلية، أتى الإسلام كي يصلح حال المجتمع العربي فألغى الكثير من المفاهيم الخاطئة فنبذ العصبية وجعل الأخوة هو الرابط المشترك بين جميع الناس وحرّر المرأة واستردّ إليها حقوقها ونشر ثقافة \"اقرأ\" بين الشعوب فحثّ على العلم والقراءة واكتساب المعرفة فتحسن المجتمع تدريجياً بعد الإسلام حيث انتقل الناس من الظلام والجهل والعصبية إلى النور والعلم والعدل والانفتاح والمساواة.
لكن للأسف منذ الحقبة الأموية بدأت ملامح الجاهلية تعود شيئاً فشيئاً حتى باتت اليوم هي نمط حياة البشر وثقافتها، فبتنا اليوم نعيش جاهلية ثانية هي أشد وأخطر من الأولى.
هذه الجاهلية التي تشربّها الناس في أذهانهم وأنماط عيشهم فأصبحت جزءاً لا يتجزأ منهم، هذه الجاهلية التي افتخر بها كثير من البشر فباتت في نظر البعض مبدأ سامي يُفتخر به.


وفي هذه المقالة، أردتُ أن أسرد بعض أسباب جاهليتنا وتخلفنا واضمحلالنا وجهلنا:


السبب الأول: استبداد الشعوب واضطهادها
أساس جاهليتنا هو استبداد الشعوب وقهرهم وإذلالهم، فكم يتلذذ المستبد عندما يرى شعبه مذلول أمام عظمته وجلالته، ظنّاً منه بأنه هو الشعب ومن الشعب ومن أجل الشعب وُجد، وعلى الشعب طاعته في كل أمر، وعليهم تبجيله وتقديره بألقاب كثيرة كـ\"صاحب الجلالة\" \"فخامة الرئيس\" \"السيد الرئيس\" \"جلالة الملك\" \"سمو الأمير\"...
إن حب السلطة والشهرة والجاه وغريزة السيطرة تجعل من الإنسان شخص مستبد برأيه، مفتخر بأنانيته، منفرد بحكمه، يرى الناس وكأنهم حشرات تأكل وتشرب تحت إمرته، وتتحرك وتعمل من أجله، فهو مالك لقمة عيشهم وليس لهم في الوجود سواه.
لكن اليوم نجد بأن هذه المفاهيم بدأت تتغير فبتنا نجد شعوباً تنادي بالحرية والكرامة والعدل واسترداد الحقوق فانتفضت هذه الشعوب في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا والسودان...وقريباً في دول أخرى، فمنهم من انتصر ومنهم ما زال ينتظر.


السبب الثاني: ثقافة الرصاصة
تجسدت هذه الثقافة للأسف في نفوس كثير من الناس، فباتت روح الإنسان رخيصة أينما كانت وأينما حلّت.
فإذا اختلفت مع شخص في أمرٍ ما فانتظر منه رصاصةً ترمي بك إلى القبر، وإذا سلّم عليك أحدهم ولم يعجبك سلامه ترى الطلقات النارية من مسدسه الشخصي تنهال عليك.
وكثير من القصص التي نسمعها كل يوم، وما يحصل في وطننا لبنان ليس عنا ببعيد، حيث تسمع كل يوم بأن عائلتين اشتبكتا من أجل موقف سيارة أو رأي سياسي، وكل يوم تسمع بأن ابناً قتل أباه أو أباً قتل ابنه أو أخاً طعن أخاه..!
وهذا قمة التخلف والجهل الذي نعيشه اليوم.


السبب الثالث: استغلال المرأة
بعد أن تحررت المرأة من مجتمعها الجاهلي الذي نبذها وانتقص من حقوقها وأهملها بتنا اليوم نشهد جاهلية أخرى تحت مسمّى شريف \"حرية المرأة\" أو \"حقوق المرأة\"!
إن المرأة من حيث طبيعتها الفطرية هي ضعيفة الجسد رقيقة الإحساس، صبغها الله بالعاطفة والحنان ولين القلب، فاستغل بعض الناس ضعفها ورقتها من أجل أن يجرّدوها من أنوثتها.
وإذا ما نظرنا إلى الإعلام اليوم فنجد بأن المرأة قد تعرّت من ملابسها من أجل إعلان لمنتج ما!، وهم نفسهم يقولون بأن مجتمعنا يكثر فيه التحرش وحالات الاغتصاب.
وأنا أسأل: كيف تحاربون التحرش بالمرأة وتجرّمون الاغتصاب وأنتم من قمتم بتجريدها من احتشامها وحيائها تحت مسمّى \"حرية المرأة\"؟!
أيّ تخلف الذي وصلنا إليه وأي زمان هذا!
المرأة أسمى من ذلك، وحريتها تكون بالاعتراف بكيانها وحقوقها، فالمرأة هي صانعة العظماء ومعلمة الأجيال وهي جوهرة ثمينة وليست سلعة رخيصة تباع وتشترى!
كم نجد في كثير من الدول التي تدّعي \"حرية المرأة\" بأنهم قد أذلّوها وأهانوها عبر جرّها إلى الخدمة العسكرية وإدخالها في الميدان العسكري بل وجرّها إلى ساحات الحرب..، هل يليق بالمرأة مثلاً أن تكون شرطية سير تعمل تحت أشعة الشمس الحارة؟!
هل يليق بالمرأة أن تكون سائقة لسيارة أجرة فتلقى ما تلقى من أذى الناس؟!
يجب على الرجال أن يحترموا المرأة ويُعطوا لها المكانة التي تستحقها، فهي المعلمة والمربية وهي أساس المجتمع وجوهره.


السبب الرابع: انعدام الأخلاق
من أهم أسباب التخلف والرجعية والجهل هو انعدام الأخلاق والقيم وانتشار الرذائل وفساد المجتمعات.
فهنا تجد من يحترف الكذب وهناك من يحترف السرقة، وهنا مدمن مخدرات وهناك مدمن خمر، وهناك من يشتم وهنا من يسبّ، وهذا عبوسا قمطريرا وذاك لا يعرفك إلا إذا امتلكت الليرة!
انعدمت الإنسانية بين البشر، واختفت الأخلاق وفنون التعامل مع الناس.
كيف لمجتمع أن ينهض وهو مجرد من الأخلاق؟ كيف لوطن أن يستمر دون قيم وآداب؟
لا حضارة دون أخلاق، ولا تطور دون أن يصاحبه آداب وقيم!


السبب الخامس والأخير: طغيان المادية وثقافة الاستهلاك
بعد أن كانت أمة العرب هي الأمة الرائدة في مجالات العلوم والفنون والاختراعات، أصبحنا اليوم أمة التلقي وبات حق تحقيق مصيرنا بأيد الدول الأجنبية الغربية والشرقية التي غزتنا بمنتجاتها وأفكارها وثقافتها.
فأخذنا منهم القشور وأهملنا لبّ الأمر وأساسه، وكانت نتيجة ذلك أن تفككت العائلة والمجتمعات وانتشرت ثقافة الأنا والنزعة الفردية فما عدنا نهتم إلا بالموضة والوسائل الترفيهية والPrestige والملهيات وإسراف الأموال في غير مكانها، فبتنا مجتمع استهلاكي ولم نعد مجتمع منتج.
فالإنسان العربي لم يهتم إلا بمظهره ونسي ذاته وباطنه، فبات قياس الناس يكون على أساس المال والسيارة والمنزل الفخم والجاه والسلطة.. ولم يعد مقياس العقل والتفكير والذكاء يؤخذ بعين الاعتبار.
مضت عقود من الزمن ونحن نتلقّى ونستهلك دون أن ننتج ونبتكر ونبدع، مليارات الدولارات تنفق على صفقات الأسلحة والطائرات الحربية والذخائر ولم نرى مليارات تنفق على الأبحاث والاختراعات وتنمية الفرد.


إن هذه الأسباب مجتمعةً هي التي جعلت من أمتنا العربية أمة مريضة فكرياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وأخلاقياً وهي على وشك الموت ما لم تُعلن حالة طوارئ عملية على كل الصعد والمستويات تبدأ من توعية الفرد وتنميته وصولاً إلى تغيير المجتمع وتطويره نحو الأفضل عبر خطط التنمية حتى يتخلص من جاهليته التي يعيشها الآن.




.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4231



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter


علاء مراد
تقييم
1.01/10 (551 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع صدى بيروت