متى ينتهي الصراع السياسي و يتوافق اللبنانيون حول القضايا المصيرية - فوزي زيدان - جريدة الحياة

تتسارع الضغوط العربية والدولية من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية في لبنان، قبل موعد القمة العربية المزمع عقدها في دمشق أواخر الشهر المقبل. وتصطدم المبادرة العربية بعراقيل كبيرة نتيجة الخلافات الحادة بين الدول العربية نفسها، ورفع المعارضة اللبنانية لسقف مطالبها بصورة مستمرة، وتأمل الدول المهتمة بالشأن اللبناني، بأن تحقق الاتصالات الناشطة قبل القمة العربية، تأمين حصول الانتخابات، من خلال تليين دمشق لمواقفها.

فمن مصلحة دمشق تسهيل ملء الفراغ الرئاسي في لبنان بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، من أجل انعقاد القمة العربية على أرضها بنصابها الكامل، وضمان النجاح لها، بحيث تصبح رئيسة القمة والعمل العربي المشترك لمدة سنة كاملة، ما يساعدها على فك عزلتها العربية.

ويشكل البُعد الداخلي للأزمة السياسية في لبنان، مبرراً للصراع الدائر على أرضه، بين القوى الإقليمية والدولية، وطغى عليه بعد اغتيال القائد العسكري لـ «حزب الله» الحاج عماد مغنية البعد الخارجي، باستنفار إيران والمنظمات الاسلامية في فلسطين والعراق للانتقام له. ولا بد من أن يؤدي اغتياله الى تداعيات كبيرة في المنطقة، نظراً لموقعه القوي في «حزب الله» وعلاقته الوثيقة بالنظام في إيران، وهناك تساؤلات عدة حول الجهة التي خططت ونفذت عملية الاغتيال، خصوصاً انها تمت في دمشق وفي منطقة تتمتع بحماية أمنية كبيرة. ويؤكد إعلان الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله «ان الحرب مفتوحة مع اسرائيل»، وتصريح قائد الحرس الثوري الإيراني بأن «حزب الله» سيقضي على اسرائيل، ان لب الصراع في لبنان هو خارجي، وأن اللبنانيين فقدوا القدرة على التحكم في مفاصل الأزمة، حيث أصبح البُعد اللبناني فيها ثانوياً، ما يجعل التسوية مستبعدة في المدى المنظور، خصوصاً انه لم يتم بعد دفع أثمانها، ومن بينها المحكمة الدولية في محاكمة المتهمين في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وتعمل إيران بما لها من نفوذ وسلاح ومنصات صواريخ في لبنان، على أن تكون صاحبة القرار في مصير لبنان وطناً وكياناً ونظاماً. وتسعى لأن تكون قوة إقليمية عظمى لامتلاكها إمكانات الانتماء الى نادي «الدول النووية» وباعتبارها المرجعية العظمى للشيعة في العالم. ويُعتبر لبنان القاعدة الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية بالنسبة اليها، لأنه على خط التماس المباشر مع اسرائيل، ويشكل «حزب الله» القوة الأقوى من الدولة ومن جميع الطوائف اللبنانية، وتحاول إيران ان تجعل لبنان «جائزة تسوية» تساوم عليها مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وتتقاسمها مع دمشق، التي تعمل على العودة الى لبنان والسيطرة عليه، مباشرة وبالتنسيق مع الحليف الإيراني.

وتزداد الحركة العربية والدولية نشاطاً في اتجاه حل الأزمة السياسية، خوفاً من تدهور الوضع الأمني في لبنان. ولم تؤد هذه الحركة بعد الى نتائج ملموسة، نتيجة عوامل كثيرة منها التأزم الشديد في العلاقات السعودية – السورية بسبب الأزمة اللبنانية، ويضع تصريح احد الديبلوماسيين السعوديين النقاط على الحروف بقوله «إن السعودية وسورية ستظلان في صدام حول لبنان، الذي تعتبره دمشق أساسياً لأمنها القومي، وتعده الرياض جزءاً من نطاق نفوذها» و «انه يصعب التوفيق بين هاتين النقطتين».

لم يأمل اللبنانيون خيراً من عودة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى بيروت، ومشاركته في اللقاء الرباعي بين ممثلي الأكثرية والمعارضة، نظراً للأجواء السياسية الداخلية المتوترة والتي ازدادت تشنجاً عما كانت عليه لدى زيارته الأخيرة، نتيجة التراشق الإعلامي الحاد بين الفريقين المتصارعين، ورفع المعارضة مجدداً لسقف مطالبها، بالطلب الى وزراء رئيس الجمهورية في الحكومة المقبلة، الامتناع عن اتخاذ أي موقف في مجلس الوزراء، يتعلق بالقضايا الوطنية الرئيسة، خصوصاً لجهة بسط الشرعية لسلطتها فوق كامل التراب اللبناني، وامتلاكها وحدها السلاح وقرار الحرب والسلم، باعتبار ان مهمتهم تنحصر في التوفيق بين وزراء الأكثرية والمعارضة لدى اختلافهم في الرؤية حول تلك القضايا، وهذا يتعارض مع الدستور والميثاق الوطني وكافة الأعراف في الأنظمة الديموقراطية، إلا أنهم توسموا بها خيراً، على أمل أن تكون الاتصالات مع القيادة في إيران، والضغوط على دمشق، قد أثمرت، بحيث يصبح انتخاب العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية اللبنانية وشيكاً. ولكن وكما كان متوقعاً، فشل اللقاء الرباعي في إيجاد حل للأزمة الرئاسية.

وإذا استمر اللبنانيون على حالهم، ولم يتوصلوا الى إجـــمـــاع حول الأهــداف الوطنية الرئيسة، لناحية التــمسك باستقلال لبنان وسيادته وتــقـــوية الدولة وامتلاكها وحدها قرار الحرب والسلم ورفض الهيمنة الخارجية وتحويل لبــــنـان ساحـــة مواجــــهة مستمرة خدمة لمصالحها والحرص على الديموقراطية والحريات والتعددية السياسية والاجتمـاعية واعتماد قانون انتخاب يحقق التمثيل الصحيح لجمـــيع الطوائف والمناطق ويكرّس ثنائية الأكثرية تجاه الأقلية في شكل صحيح وعادل تفادياً في الوقوع فــي مــأزق «الديموقراطية التوافـــقـــية» الـــتــي تتنافى مع الأنظــــمة الدستـــورية المتعارف عليها في الــدول المتقدمة، فسيظل وطنهم يعاني من عدم الاستقرار والنزاعات والاضطرابات على الصعيدين الداخلي والخارجي.