ما ان سقط العراق،
حكماً وحكومة وشعباً وكياناً، تحت الاحتلال الاميركي، نتيجة التقاء
المصالح الايرانية - الاميركية على بلاد الرافدين منذ أربع سنوات، حتى
بدت المنطقة العربية من المحيط الى الخليج مكشوفة امام الاحلام
الايرانية الفارسية بالتوسّع، وأمام جشع الامبراطورية الاميركية
الساعية الى نهب خيرات الأمة وثرواتها وتمزيق شعوبها. وان كانت المنطقة
العربية المنكوبة تخوض معركة وجودها ووحدتها منذ ما يقارب القرن،
لمواجهة الحلف البريطاني - الصهيوني بداية، والحلف الصهيو-أميركي
لاحقاً.
ومن هنا فان سقوط
العراق وعاصمته وانهيار جيشه وتمزيق وحدته الوطنية، أدت حكماً الى
تنامي النفوذ الفارسي في بلاد الرافدين مستفيداً من معاناة شعوب
المنطقة، ومن الابتزاز الاميركي - الصهيوني في فلسطين المحتلة وما
حولها. وقد ازداد هذا النفوذ على الساحات الملتهبة والمخطوفة في كل من
العراق وسوريا وفلسطين والساحة اللبنانية. وكان قد امتد نفوذ الحرس
الثوري الايراني الى هذه الساحة مع بداية الثمانينات على إثر الاجتياح
الصهيوني لعاصمة الوطن بيروت.
عمل هذا الحدس في
حينه على تأسيس وانشاء ودعم تنظيم "حزب الله" الذي ارتبط عقائدياً
بنظرية ولاية الفقيه في طهران، وعسكرياً ومالياً بالحرس الثوري، الذي
يشرف عليه مباشرة مرشد الثورة الاسلامية في ايران، ليكون هذا الحزب
ذراعاً ايرانية طويلة، يمكن استعمالها في مواجهة القوة العربية أو
الدولية. وبرغم الدعم المالي والعسكري والاعلامي بقي النفوذ الايراني
محصوراً ومحاصراً في بعض جزء من شريحة لبنانية من منطلق مذهبي عقائدي.
ومن هنا فان الحرس الثوري الايراني عمل على امساك الورقة اللبنانية
الملتهبة لمواجهة الانظمة العربية الرافضة للنفوذ الايراني في بلادها،
ومواجهة "الشيطان الاكبر" أحياناً عندما تتعارض مصالحهما، وهما يفترسان
البلاد العربية والاسلامية.
وقد وسّع الحرس
الثوري أخيراً أنشطته في لبنان محتضناً وداعماً شخصيات وحركات وتيارات
وأحزاباً وجمعيات صغيرة من المسلمين من أهل السنة والجماعة، للامساك
بالورقة الاسلامية كاملة، ومحاصرة القيادات السياسية الاسلامية الرافضة
النفوذ الايراني والاميركي معاً في لبنان. وامتد هذا النفوذ الى الساحة
المسيحية اخيراً مخترقاً لها، ومحتضناً بعض قياداتها المهووسة بالسلطة،
مالياً وسياسياً وعسكرياً. ومن الملاحظ ان تنامي النفوذ الايراني على
كامل الساحة اللبنانية بتنوعها يمكن في حال استمراره أن يؤدي الى تفكيك
عرى الوحدة الاسلامية، وضرب صيغة العيش المشترك من خلال المحاولات
الايرانية المتعددة لتغيير بنيته الديموغرافية وتشييعه سياسياً،
والانحراف بثقافته العامة للوصول الى سلخ لبنان عن محيطه العربي
بالتركيز على تعطيل أي حلول تقودها المجموعة العربية.
وظهر ذلك جلياً في
تعطيل وتفشيل مبادرات جامعة الدول العربية التي قادها باقتدار أمينها
العام عمرو موسى، وقد تأكد لكل المراقبين ان الحلول ومشاريع الحلول، لا
يمكن ان تمر من القاهرة أو الرياض، وانما مفاتيح واسرار القطبة المخفية
في طهران، ولدى رئيسها ومرشد ثورتها الامام الخامنئي، وذلك لابقاء
الساحة اللبنانية ملتهبة ومربكة سياسياً وعسكرياً، لتتمكن ايران
الطامحة من عقد صفقتها المنتظرة مع الاحتلال الاميركي، أسوة بالصفقة
التي أبرمتها سابقاً مع اميركا و"شيطانها الاكبر"، في كل من افغانستان
والعراق، حيث التحالف الاميركي - الفارسي متضامن لطمس هوية العراق
وعروبته، وترويض افغانستان وتمزيقها، والسعي لمحاصرة باكستان وقوتها
النووية.
كل ذلك خدمة لسايكس -
بيكو جديد طرفاه ايران الفارسية واميركا التلمودية. وهذا يعني بأن
لبنان الوطن والمؤسسات سيبقى رهينة لدى الحرس الثوري الايراني وحلفائه
الصغار في الداخل والخارج، لتتمكن ايران من تمرير مصالحها وسياساتها
وأطماعها وطموحها النووي. ومن هنا يمكن فهم تعطيل المبادرات العربية،
سواء كانت سعودية أو مصرية، أو من خلال جامعة الدول العربية. كما يمكن
فهم الرفض الشديد لليد الممدودة التي أطلقها وما زال القيادي الشاب سعد
الحريري مع حلفائه من القيادات الاسلامية والمسيحية من اجل النهوض
بلبنان الدولة والمؤسسات، لصون عروبته والمحافظة على استقلاله، واخراجه
من التكتلات والمحاور التي تريده ساحة لتصفية حساباتها، وموقعاً لتوجيه
الرسائل الملتهبة، وأحياناً الوردية لاميركا (الشيطان الاكبر) وللكيان
التلمودي في فلسطين المحتلة.