إغلاق قلب بيروت ... الافتخار بالقوة  - جورج ناصيف - جريدة النهار

 كيف نفسّر العناء الاسطوري لـ"حزب الله" في ابقاء معسكره الامني في قلب بيروت، رغم الموجة العاتية من الاحتجاج، بدءا بالتمنيات والمعاتبات والمناشدات، الى صرخات التظلم والاحتجاجات، وصولا الى الاتهامات باحتلال العاصمة؟
آخر الاصوات الهادرة بالحق، الناطقة بكلمة الله، اطلقها في احد الشعانين المتروبوليت الياس عودة، مطران بيروت للروم الارثوذكس، وهو الذي لم يؤثَر عنه ولا عن الجماعة الروحية التي يمثِّل، ايُّ انحياز الى طرف سياسي او طائفي، او افتراء او تجنٍّ .

فما سر هذا العناد الذي تكسرت على صخوره جميع الاصوات، حتى اكثرها رقة؟
اذا كان الاعتصام الذي بدأ جماهيريا، تعبويا، ثم تحول مجرد مرابطة مسلحة للجهاز الامني لـ"حزب الله"، لم ينجح في اسقاط الحكومة (وكان هذا هو المطلب العلني الاصلي للاعتصام) فلماذا بقي؟
اذا كان لإحداث خضة جماهيرية تضامنية مع مطلب المعارضة، فلماذا بقي بعد توقف جميع المناسبات الخطابية التي تعاقب عليها ممثلو التيارات المعارضة؟
اذا كان لاظهار مدى النفوذ الشعبي للمعارضة، فلماذا بقي بعدما بات معسكرا فارغا ترفرف عليه الاعلام؟
في يقيني ان التفسير الوحيد المقنع هو أنه لاستعراض القوة الباهرة في وجه الجميع، رمزيا. للقول ان احدا لا يستطيع ان ينتزع مطلبا واحدا من "حزب الله" الا ساعة يقرر هو، وبشروطه هو، وبحسب طريقته هو.

بقاء المخيم هو، في نهاية كل تحليل، تعبير عن نظرة احتقارية خطيرة حيال جميع اللبنانيين الآخرين. عن نظرة استعلائية لا تأبه لموقف الشركاء المفترضين في الوطن، عن تعال على مفهوم "الرأي العام"، محليا او عربيا او دوليا.
يعلم "حزب الله" علم اليقين ان الأضرار الاقتصادية للمخيم طالت جمعاً من آلاف المواطنين البؤساء العاملين في الوسط التجاري، ممن تتنوع ولاءاتهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية.

يعلم علم اليقين ان مئات الشركات هاجرت، او افتتحت فروعا لها في الخارج، او امتنعت عن الحضور الى لبنان.
يعلم ان مشاريع اقتصادية انمائية هائلة توقفت. يعلم ان الوسط رئة سياحية بامتياز، لا يستقيم الموسم السياحي في غيابها.
يعلم ان الوسط كان حيزا للاختلاط الديموغرافي بين اللبنانيين. ومساحة مشتركة بعيدا من الكانتونات المغلقة.
يعلم ان اقفال الوسط يرتدي في الوعي البيروتي اجمالا، والسني الاسلامي تخصيصا، طابع الاعتداء المذهبي الفج، مما يزيد من الاحتقان المذهبي. ليس لأن بيروت مدينة خاصة بالسنّة او مكتوبة على اسمهم، بل لأن الحيز المديني هو حيز متاح للجميع. اصلا. خلافا للحي او القرية او البلدة الريفية. فالمدينة، تعريفا، هي مكان الاختلاط والتنوع والتعدد وهشاشة الروابط الاسرية او الأنساب العائلية.
يعلم "حزب الله" كل ذلك، ومع ذلك لم يتزحزح شعرة. فلماذا؟
لأن لإقفال الوسط وظيفة اهم في عيون "حزب الله" تفوق في وزنها كل ما سَلَف.
انها وظيفة الزهو بالقوة، والافتخار بالقدرة، واشاعة هذا الاعتزاز لدى عموم ابناء الطائفة التي ينتمي اليها.
اقفال الوسط فعل رمزي يعلن القدرة على اقفال البلاد كلها. فلا اقفال يعادل في معناه الرمزي هذا الاقفال. حتى اقفال الضاحية، او حتى الجنوب، لا يحمل هذه الدلالة.
لذلك، سيبقى الاقفال قائما، ولو تظاهر ثلاثة ملايين لبناني.
ولن يُفَكَّ المعسكر، حتى "يتنازل" "حزب الله" ويقر بأنه مكوّن واحد (رئيسي ولكن واحد) من مكونات البلد، متساو مع المكونات الاخرى.
قبل ذلك، وما دام "حزب الله" جالسا على صهوة الظن انه وحده يتحكم بمصير لبنان، فالمعسكر باق، ولو لم يبق سوى علم واحد مرفوع على سارية، لا يحرسه احد.