|
ستبقى بيروت أقوى من
الصدمة··، ستبقى مدينة الحياة والثقافة والانفتاح أصلب من الاستباحة··،
وستنتصر عاصمة الحرية والديمقراطية بصبرها وصمودها وترفعها على "ظلم
ذوي القربى"،
ليست المرة الأولى
التي تدفع فيها بيروت الأثمان الباهظة لمواقفها النضالية، ولتاريخها
العروبي، ولتمسكها بقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية المقدسة الأولى
فلسطين·
لقد رفعت بيروت راية
المقاومة في زمن الضياع العربي·
واحتضنت بيروت
المقاومة الفلسطينية، التي هي في الواقع أم المقاومات الحالية، في عصر
الهزيمة، وتحدت بيروت جبروت الاحتلال الاسرائيلي الغاشم بإطلاق الرصاصة
الاولى في مقاومة اجتياح 1982، وبقيت بيروت هي الحاضنة الوطنية، وهي
المنبر السياسي والإعلامي للمقاومة الوطنية والإسلامية طوال سنوات
النضال ضد الاحتلال الصهيوني، وكانت هي الصدر الذي يضم المهجرين
والنازحين من نير الاعتداءات الصهيونية·
فهل هكذا تكافأ عاصمة
المقاومة الاولى في العالم العربي: احتلال ساحاتها، قطع شرايينها
وتعطيل طرقاتها، إقفال مرافقها الجوية والبرية،·· ثم استباحة مناطقها
وشوارعها؟
* * * ما حصل في
بيروت يومي 8 و9 ايار لا يمكن اعتباره انتصاراً لحزب الله على تيار
المستقبل، ولا هزيمة للاكثرية امام الاقلية، فمبدأ الغالب والمغلوب
مرفوض في الثقافة الوطنية اللبنانية والقاعدة الذهبية التي يتمسك بها
اللبنانيون، خاصة في هذه الظروف العصيبة، تقوم على مبدأ "لا غالب ولا
مغلوب" وبالتالي فإن اي رهان على توظيف واستثمار "الواقع المسلح"
الجديد في بيروت في المعادلة السياسية الداخلية، يعتبر خروجاً على
التوازنات الوطنية الدقيقة ويشكل خطراً على النظام السياسي الحالي
برمته·
لا تستطيع المعارضة
ان تفرض شروطها على حساب منطق الدولة وكرامة مؤسساتها، على الاقل حتى
لا ترث معارضة اليوم في حال تحولت اكثرية ووصلت الى السلطة، بقايا دولة
مهمشة الدور، مشلولة المؤسسات·
ان الخروج من الهاوية
التي ننزلق بها بسرعة متزايدة يوما بعد يوم، يقضي بتغليب خيار الانقاذ
الوطني على كل ما عداه من خيارات اخرى، او حسابات حزبية او فئوية في
مقاييس الربح والخسارة· لان الرابح في مهاوي الفتنة الجهنمية، والخاسر
الاول والاكبر يبقى الوطن، الذي يجب ان يبقى اهم من الطائفة، ومن
الحزب، ومن كل التيارات والحركات السياسية والحزبية
·
وغني عن القول ان كل
يوم تأخير في ولوج باب الحل والانقاذ سيزيد الازمة الداخلية تعقيداً،
وسيفسح المجال واسعاً امام التداخلات الخارجية، والصراعات الاقليمية -
الدولية المحتدمة على أرضنا، والتي تكاد تحول كل لبناني، مهما كان
انتماؤه السياسي الى حطب حريق في آتون المصالح المتصارعة·
بقيت كلمة·· لا ضرورة
لينتظر كل فريق "مبادرة ما" من الفريق الآخر· فالمبادر الاول سيحصد ثقة
وتقدير اللبنانيين التواقين للخروج الى ربوع الامن والاستقرار!
|